كشفت لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب أن هيئة الأوقاف تركت 42 ألف متر في سوق روض الفرج بلا استغلال نحو 4 سنوات، حتى تحولت الأرض إلى غابة شجرية، بينما انتهت المناقشة إلى فتح ملف إدارة الأصول والريع.
فضحت الواقعة فجوة أوسع بين خطاب الدولة عن تعظيم موارد الوقف وبين واقع أصل ضخم معطل في قلب القاهرة، في وقت تتآكل فيه الخدمات العامة ويُطلب من المواطنين تحمل مزيد من الأعباء والزيادات والضرائب.
وبالتالي، لم يعد السؤال متعلقاً بقطعة أرض مهملة فقط، بل بمنظومة تمتلك أصولاً هائلة وتطالب المجتمع بالثقة، من دون أن تقدم للرأي العام كشفاً واضحاً يربط قيمة كل أصل بعائده ومصرف هذا العائد.
كما أن النائب محمد راضي حمّل وزير الأوقاف، بصفته ناظر الوقف، مسؤولية ضعف المتابعة، وطالب ببيان يوضح مصروفات نسبة 75% من ريع الوقف خلال العام المالي الماضي، لكشف أين ذهبت الأموال وكيف أُنفقت.
لزيادة الغموض، جاء رد رئيس هيئة الأوقاف على سؤال الأعمال الخيرية مرتبكاً، إذ أحال المسؤولية إلى الوزارة، ثم ذكر برنامج دولة التلاوة مثالاً يعتقد أنه من أوجه الصرف، بما يعكس ضبابية في توزيع الاختصاص والمسؤولية.
لذلك، تبدو أزمة روض الفرج نموذجاً مكثفاً لإدارة تتقاذف فيها الوزارة والهيئة المسؤولية، بينما يبقى الأصل مجمداً والريع غامضاً والمستفيدون بلا إجابة، في مشهد يضرب جوهر فكرة الوقف القائمة على دوام المنفعة وخدمة الناس.
ومن ثم، فإن مطالبة النواب بكشف مصروفات الريع ليست ترفاً رقابياً، بل اختباراً لمدى خضوع أموال الوقف للمحاسبة، خصوصاً أن القانون يمنح الهيئة دور الإدارة والاستثمار، بما يفرض تتبع الإيرادات والمصروفات بصورة منتظمة وقابلة للمراجعة.
غير أن الخبير الاقتصادي أحمد خزيم يرى أن تفاوت التقديرات حول ثروة الأوقاف يعكس غياباً واضحاً للشفافية، ويحذر من إدارة الأصول من دون إطار قانوني ورقابي واضح، مطالباً بصندوق مستقل يخضع لرقابة البرلمان ومعايير مالية دقيقة.
علاوة على ذلك، يكتسب تحذير خزيم وزنه من اتساع الفجوة بين الأرقام المتداولة عن حجم الأصول، وهي فجوة تجعل كل أرض معطلة أو صفقة غامضة سؤالاً عن الثروة العامة الموقوفة، لا مجرد خطأ إداري محدود.
أرض عادت بحكم القضاء ثم ضاعت في الإهمال
بناءً على ذلك، تعود جذور القضية إلى 2021، حين ناقش البرلمان حكماً صادراً لصالح وزارة الأوقاف باسترداد أرض سوق روض الفرج من محافظة القاهرة، بعد اتهام المحافظة بتأجيرها من دون وجه حق وتأخير تنفيذ الحكم.
وفي المقابل، قالت محافظة القاهرة آنذاك إن الأرض لم تعد فراغاً خالياً، بل أقيمت عليها منشآت تشمل مركزاً طبياً ومدرسة فكرية ومستشفى وقصر ثقافة، وهو ما حول عملية التسليم إلى ملف مركب بين الملكية القائمة والمنفعة العامة.
بالتوازي، ألزمت لجنة الإدارة المحلية الطرفين بعقد اجتماع وتحرير محضر تسليم وتسلم، مع إخطار الجهات القائمة على المنشآت بأن هيئة الأوقاف أصبحت الجهة المالكة، بما يعني أن مسار استعادة الأرض كان معروفاً ومؤسسياً منذ سنوات.
مع ذلك، تكشف مناقشة 2026 أن استعادة الملكية لم تتحول إلى خطة استثمار أو منفعة اجتماعية واضحة، وأن أربع سنوات تقريباً مرت قبل أن يظهر الملف مجدداً داخل البرلمان بوصفه شاهداً على تعطيل أصل بالغ القيمة.
في هذا السياق، يؤكد الباحث المتخصص في اقتصاد الوقف منذر قحف أن حماية الأصول وصيانتها وتعظيم إيراداتها وتقليل النفقات الإدارية أهداف أساسية، وأن ضعف الرقابتين المالية والإدارية كان سبباً متكرراً في ضياع كثير من أموال الأوقاف.
ومن ناحية أخرى، يرى قحف أن الإدارة الحكومية المركزية تعاني مشكلات الكفاءة والإنتاجية والمعلومات، وأن المطلوب إطار مؤسسي يربط الرقابة بمعايير السوق والمحاسبة الخارجية، بدلاً من بقاء المدير مسؤولاً أمام السلطة التي عينته فقط.
بعبارة أخرى، تقدم أرض روض الفرج مثالاً عملياً لما يحذر منه قحف، لأن ملكية الأصل وحدها لا تحقق مقصده، بل قد يتحول العقار إلى عبء وتكلفة وفرصة مهدرة عندما يغيب التخطيط والجدول الزمني والمساءلة عن النتائج.
هكذا، يصبح سؤال الأربع سنوات جوهرياً: من وضع خطة الأرض بعد التسليم، ومن قيّم البدائل، ومن حدد موعد التنفيذ، ومن راقب العائد المفقود، ومن يتحمل مسؤولية وصول الأصل إلى حالة وصفها البرلمان بالغابة الشجرية.
ريع غامض وثقة تتآكل
فضلاً عن ذلك، قال النائب محمد راضي إن المواطنين فقدوا الثقة في إدارة أموال الوقف، وربط ذلك بعدم تقديم أوقاف جديدة منذ 1952، وهي دعوى سياسية ثقيلة تحتاج إلى توثيق مستقل، لكنها تعبر بوضوح عن أزمة ثقة داخل البرلمان.
على صعيد متصل، يوضح الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن أموال الأوقاف المصرية واسعة ومتنوعة وتضم عقارات في مواقع شديدة القيمة، محذراً من أن ضعف الضوابط في الشراكات قد يفتح الطريق لسيطرة مصالح خاصة على الأصول.
إضافة إلى ذلك، تتضاعف خطورة التحذير عندما تقترن أصول ضخمة بإفصاح محدود، لأن أي إدارة لا تنشر عوائد الأصول وتكاليفها وشروط التعاقد بشأنها تترك المجال للشائعات والشكوك، وتحوّل غياب المعلومة إلى بيئة خصبة للنفوذ والمحسوبية.
لهذا السبب، فإن صفقة مدينة نصر التي أثارها راضي، وتحدث فيها عن دفع الهيئة مليار جنيه نقداً رغم امتلاكها أراضي وأصولاً، تحتاج إلى نشر تفاصيلها الكاملة، لا الاكتفاء بتبادل الاتهامات داخل اجتماع برلماني ثم إغلاق الملف.
وعلى هذا الأساس، لا يكفي الرد على سؤال العمل الخيري بالإشارة إلى برنامج تلفزيوني أو مسابقة دينية، لأن الأصل في الوقف هو بيان المصارف المحددة والعوائد المحققة ونسب الإنفاق والإدارة، بما يسمح بتقييم المنفعة الحقيقية للمستحقين.
في ضوء ذلك، يصبح البرلمان مطالباً بتحويل طلب الإحاطة إلى رقابة ممتدة، تبدأ بكشف حسابات الريع ومصروفاته، وتمر بجرد الأصول المعطلة، وتنتهي بمواعيد محددة لاستغلالها، مع مساءلة المسؤولين عن كل سنة تأخير وعائد ضائع.
أموال الوقف بين سلطة بلا حساب ومنفعة غائبة
مع هذا كله، لا يمكن فصل أزمة الأوقاف عن مناخ سياسي أوسع تتراجع فيه الشفافية ويضعف الوصول إلى المعلومات، لأن المؤسسات التي تطالب الناس بالصبر والثقة لا تقدم في المقابل بيانات تفصيلية تسمح بمحاسبتها على الأموال والأصول.
في المحصلة، تكشف روض الفرج أن الخلل ليس في نقص الأرض أو المال، بل في إدارة أصل استعيد بالقضاء ثم تُرك، وريع يثار حوله السؤال ثم تتوزع المسؤولية عنه، وبرلمان يكتشف الأزمة بعد سنوات من غياب الفعل.
وأخيراً، فإن إنقاذ الوقف يبدأ من كسر دائرة السرية والبيروقراطية، بنشر سجل كامل للأصول والعوائد والمصروفات وخطط الاستثمار، وإخضاع الصفقات لرقابة مستقلة، لأن مال الوقف ليس غنيمة إدارية ولا خزينة مغلقة، بل حق موقوف للمنفعة العامة.

