وافقت لجنة مشتركة تضم 18 هيئة مكتبا برلمانيا في القاهرة، الأربعاء، مبدئيا على مشروع حكومي يعيد تنظيم جهاز مستقبل مصر، وينقل تبعيته من وزارة الدفاع إلى قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، موسعا سلطاته على أصول الدولة واستثماراتها.
ويكشف الانتقال المقترح أن القضية تتجاوز تعديلا إداريا محدودا، إذ يتحول كيان نشأ داخل المؤسسة العسكرية إلى مركز اقتصادي شديد الاستقلال، بينما تبقى الأسئلة الأساسية عن الحسابات والأرباح والديون والرقابة بلا إجابات علنية كافية.
من العسكرة إلى الرئاسة
ومنذ تأسيسه بقرار رئاسي عام 2022، تمدد الجهاز من استصلاح الأراضي إلى القمح والبحيرات والاستزراع السمكي والتطوير العقاري والصناعة والتجارة، حتى صار طرفا يزاحم وزارات وهيئات عامة في اختصاصاتها التقليدية ومواردها.
وبحسب النص المنشور لمشروع القانون، يجري تقنين الأوضاع السابقة للجهاز، واعتبار الأراضي التي آلت إليه مناطق تنمية مستدامة، بما يعني أن التشريع لا يرسم المستقبل فقط، بل يمنح غطاء قانونيا واسعا لما تراكم بالفعل.
كما يمنح المشروع السيسي سلطة نقل أموال وأصول وأسهم وحصص مملوكة للدولة إلى الجهاز، مع صلاحيات لإدارة أملاك عامة وخاصة، من دون اشتراط موافقة برلمانية صريحة على كل عملية نقل بعينها.
وفوق ذلك، يقترح القانون إنشاء مناطق تنمية مستدامة تنتقل فيها ملكية أراض ومنشآت الدولة إلى الجهاز، مع سلطات تنظيمية وترخيصية وإدارية خاصة، ومعاملة ضريبية وجمركية تقترب من امتيازات المناطق الحرة.
في المقابل، تعفي النصوص الجهاز وصناديقه من قوانين تحكم الهيئات العامة والخدمة المدنية والتعاقدات الحكومية والحد الأقصى للأجور، وهو ما يخلق كيانا يستفيد من موارد الدولة بينما يتحرر من قيودها الأساسية.
ويزداد القلق لأن المشروع يقيد الطعن القضائي على عقود الجهاز وتصرفاته في الأصول، فلا يتيح الدعاوى إلا لأطراف التعاقد مباشرة، باستثناء حالات مرتبطة بحكم جنائي نهائي في جرائم المال العام.
لذلك تبدو عملية نقل التبعية أقرب إلى إعادة تغليف قانونية لسلطة اقتصادية قائمة، لا إلى تفكيك امتيازاتها، فالجهاز يغادر المظلة العسكرية شكلا، لكنه يحتفظ بصلاحيات استثنائية ويقترب أكثر من مركز القرار الرئاسي.
ويرى الباحث يزيد صايغ أن توسع المؤسسات العسكرية اقتصاديا يقوم على اقتناص موارد وفرص كانت تذهب لمؤسسات عامة ومنافسين خاصين، وهو تحليل يجعل القانون الجديد امتدادا لمسار التمكين لا خطوة حقيقية نحو الحياد التنافسي.
وبهذا المعنى، لا ينزع المشروع صفة العسكرة عن الاقتصاد بقدر ما ينقل أدواتها إلى بنية رئاسية أكثر تحصينا، ويحول الاستثناء المؤقت إلى قاعدة قانونية دائمة يمكن أن تتوسع عبر قرارات لاحقة.
دولة تمول إمبراطورية
أما إنشاء صندوق أهرامات النيل السيادي وصندوق داعم، فيفتح بابا جديدا لتركيز الأصول والاستثمارات داخل الجهاز، مع قدرة على الشراكة داخل مصر وخارجها والاستحواذ على صناديق وطنية أخرى مملوكة للدولة.
ومن ثم، يصبح السؤال المركزي هو من يراقب من، عندما تمتلك جهة واحدة الأراضي والأصول والاستثمارات وسلطات التنظيم والترخيص، ثم تنشئ صناديقها الخاصة وتتمتع باستثناءات واسعة من القواعد التي تحكم بقية مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، يقرر المشروع تحمل الخزانة العامة التزامات مالية محددة مرتبطة بالجهاز، بينما تظل تفاصيل عوائده وأرباحه وحساباته أقل وضوحا للرأي العام، بما يثير مخاوف من خصخصة المكاسب وتأميم الخسائر.
ويحذر الاقتصادي إسحاق ديوان من أن نموذج النمو المصري اعتمد طويلا على قطاعات غير قابلة للتصدير، خصوصا البناء والعقار، بما لم يعالج نقص العملة الأجنبية، وهو ما يضع توسع الجهاز في سياق اقتصادي مأزوم.
وعليه، فإن منح كيان واحد مزيدا من الأراضي ومجالات الاستثمار لا يضمن زيادة الإنتاجية أو الصادرات، وقد يعيد تدوير النمو نفسه القائم على الأصول والمشروعات الضخمة بدلا من بناء قاعدة تنافسية منتجة.
في المقابل، تقول الحكومة إن الجهاز سيكون شريكا ومحفزا للتنمية لا مهيمنا عليها، وإن المرونة الجديدة ستوازن بين التنافسية والحوكمة والأمن القومي، لكن الاستثناءات الواسعة تجعل هذا الوعد بحاجة إلى اختبارات رقابية مستقلة.
غير أن برنامج مصر مع صندوق النقد يطالب باتجاه معاكس ظاهريا، إذ يؤكد خفض بصمة الدولة، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحقيق حياد تنافسي يشمل الشركات العسكرية والهيئات الاقتصادية مهما اختلف إطارها القانوني.
وبناء على ذلك، يبدو القانون كاختبار مباشر لمصداقية تعهدات القاهرة، لأن منح إعفاءات جديدة لكيان واسع النفوذ يصعب التوفيق بينه وبين إصلاحات تعهدت بإلغاء الامتيازات الضريبية وتقليص الفوارق بين الدولة والقطاع الخاص.
وتشير الباحثة حفصة حلاوة إلى أن الدعم الخليجي غير المشروط لمصر انتهى، وأن الممولين يطالبون بقدر أكبر من الشفافية، ما يجعل إعادة تنظيم الجهاز جزءا من معركة أوسع حول الثقة في إدارة الأصول العامة.
اختبار الصندوق والشفافية
لكن نقل الجهاز من وزارة الدفاع إلى الرئاسة قد يسمح للنظام بتقديمه خارج التصنيف العسكري أمام الممولين، من دون المساس بجوهر الامتيازات التي أثارت الاعتراضات أصلا، وهي قراءة تعززها بنية القانون لا مجرد اسمه.
وعلاوة على ذلك، لا يقتصر الخطر على المستثمرين، فانتقال اختصاصات الزراعة والتموين والبحيرات والأراضي والتجارة إلى كيان استثنائي يضعف الوزارات المدنية تدريجيا، ويحولها من أصحاب ولاية إلى منفذين على هامش القرار.
كما أن تقنين ما سبق إسناده للجهاز يغلق بابا مهما للمساءلة السياسية، لأن التشريع يأتي بعد التوسع لا قبله، فيحول الوقائع المتراكمة إلى شرعية قانونية بدل فحص كيفية نقل الأصول وتقييم مقابلها وجدواها.
وبالتالي، فإن جوهر المشروع ليس إخراج الاقتصاد من يد المؤسسة العسكرية، بل إعادة ترتيب مركز القوة نفسه تحت مظلة الرئاسة، مع توسيع قدرته على امتلاك الأصول وإدارة الأسواق والتحرك خارج القيود المعتادة.
وفي النتيجة، يواجه المصريون نموذجا تتراجع فيه الحدود بين الدولة والمستثمر والمنظم، إذ يجمع الجهاز أدوارا متعددة قد تخلق تضارب مصالح بنيويا، خصوصا عندما ينافس القطاع الخاص ويضع القواعد داخل مناطق يديرها.
ولزيادة الشفافية، كان يفترض أن يصاحب القانون نشر ميزانيات مدققة، وقواعد واضحة لنقل الأراضي، وتقييمات مستقلة للأصول، وتقارير دورية للبرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات، لا مزيدا من الحصانات والاستثناءات القانونية والمالية.
وأخيرا، يكشف مشروع القانون أن الهدف الأبعد ليس مجرد تنظيم جهاز غامض، بل تثبيت إمبراطورية اقتصادية تحت سلطة السيسي مباشرة، بحيث يصبح القانون أداة لتحصين التوسع السابق وفتح الطريق أمام توسع أكبر.

