لم يكن انهيار عقار منشية ناصر على رجال الحماية المدنية أثناء محاولتهم السيطرة على حريق داخل مخزن للأخشاب مجرد حادث مأساوي عابر، ولا واقعة يمكن اختزالها في حريق خرج عن السيطرة.

 

سقوط العقار واستشهاد ثلاثة من رجال الحماية المدنية، بينهم مدير الحماية المدنية بالقاهرة، كشفا الوجه الأكثر خطورة لأزمة المباني المتهالكة في مصر: خطر لم يعد يهدد أكثر من 10 مليون مصري فقط، بل بات يطارد رجال الإنقاذ أنفسهم وهم يؤدون واجبهم.

 

خلف كل عقار متصدع لا تُتخذ بشأنه إجراءات حاسمة، وخلف كل قرار ترميم أو إزالة يتأخر تنفيذه، توجد كارثة محتملة تنتظر لحظة الاشتعال أو الانهيار. والأرقام نفسها ترسم مشهدًا مرعبًا: أكثر من 3.2 مليون مبنى تحتاج إلى درجات مختلفة من التدخل، بينها أكثر من 93 ألف مبنى غير قابل للترميم ويحتاج إلى الإزالة.

 

هذه ليست أرقامًا هامشية في ملف عمراني محدود، بل خريطة واسعة للخطر تمتد عبر محافظات مصر، في وقت تؤكد فيه الوقائع المتكررة أن المبنى المتهالك قد يتحول خلال لحظات إلى مقبرة للسكان أو المارة أو حتى لرجال الحماية المدنية الذين يصلون لإنقاذ الضحايا.

 

 

3.2 مليون مبنى تحتاج إلى تدخل

 

تكشف البيانات أن إجمالي عدد المباني التي تحتاج إلى درجات متفاوتة من التدخل يبلغ 3 ملايين و208 آلاف و501 مبنى، تتوزع حالاتها بين الترميم البسيط والمتوسط والكبير، وصولًا إلى الإزالة الكاملة للمباني التي لم تعد قابلة للإنقاذ.

 

ويأتي الترميم البسيط في مقدمة الحالات، إذ تحتاج إليه مليون و919 ألفًا و535 مبنى، بنسبة 59.83% من إجمالي المباني التي شملها الحصر. وقد تبدو هذه الفئة الأقل خطورة، لكنها تمثل في الوقت نفسه إنذارًا مبكرًا؛ فترك ما يقرب من مليوني مبنى دون صيانة وتدخل في الوقت المناسب يعني فتح الباب أمام انتقالها مستقبلًا إلى مراحل أكثر تدهورًا وخطورة.

 

أما المباني التي تحتاج إلى ترميم متوسط فيبلغ عددها 791 ألفًا و258 مبنى، بنسبة 24.66%، بينما يصل عدد المباني التي تحتاج إلى ترميم كبير إلى 404 آلاف و676 مبنى، بنسبة 12.61%.

 

وبذلك، فإن أكثر من 1.2 مليون مبنى تحتاج بالفعل إلى تأهيل متوسط أو كبير، وهي كتلة ضخمة لا يمكن التعامل معها بمنطق الحلول المؤقتة أو التدخل بعد وقوع الكارثة.

 

لكن الرقم الأخطر يظل 93 ألفًا و32 مبنى ثبت أنها غير قابلة للترميم وتحتاج إلى الإزالة، بنسبة 2.90% من إجمالي الحالات. ورغم أن النسبة تبدو محدودة عند مقارنتها ببقية الفئات، فإنها تمثل أعلى درجات الخطورة؛ لأن الحديث هنا لم يعد عن شروخ أو احتياج إلى صيانة، بل عن مبانٍ انتهى عمرها الآمن وأصبح استمرارها قائمًا في حد ذاته تهديدًا مباشرًا للحياة.

 

أي أن هناك عشرات الآلاف من المباني التي لا تحتاج إلى دراسات جديدة بقدر ما تحتاج إلى إجراءات تمنع تحولها إلى أخبار عاجلة جديدة عن قتلى ومصابين تحت الأنقاض.

 

 

الشرقية تتصدر خريطة الخطر

 

لا تتوزع أزمة المباني المحتاجة إلى الترميم بالتساوي بين المحافظات، بل تكشف الأرقام عن تمركز واضح للخطر في عدد من المحافظات ذات الكثافة السكانية والعمرانية الكبيرة.

 

وتتصدر الشرقية القائمة بإجمالي 292 ألفًا و112 حالة، تليها البحيرة بـ277 ألفًا و905 حالات، ما يعني أن المحافظتين وحدهما تضمان أكثر من نصف مليون مبنى يحتاج إلى درجات مختلفة من التدخل.

 

وتأتي المنيا في المركز الثالث بعدد 246 ألفًا و813 حالة، ثم الجيزة بـ226 ألفًا و616 حالة، والفيوم بـ206 آلاف و827 حالة.

 

هذه الأرقام لا تعكس مجرد اختلافات في حجم الكتلة العمرانية، بل تكشف حجم المسؤولية الملقاة على الجهات المعنية في المحافظات التي تتصدر القائمة. فكلما ارتفع عدد المباني المتدهورة، ارتفعت معه احتمالات الحوادث، وتعقدت عمليات الإنقاذ، وزادت خطورة الحرائق أو الانهيارات المفاجئة داخل المناطق المكتظة.

 

وفي المقابل، تسجل قنا أقل عدد من المباني التي تحتاج إلى الترميم بإجمالي 5 آلاف و360 حالة، ثم جنوب سيناء بـ6 آلاف و446 حالة، والبحر الأحمر بـ15 ألفًا و473 حالة، وبورسعيد بـ16 ألفًا و924 حالة، والوادي الجديد بـ17 ألفًا و391 حالة.

 

ورغم هذا التفاوت، فإن الأزمة لا يمكن قياسها بالأعداد وحدها؛ فمبنى واحد آيل للسقوط وسط منطقة مزدحمة قد يتحول إلى كارثة واسعة، خصوصًا إذا وقع الانهيار أثناء وجود السكان أو خلال محاولة فرق الإنقاذ التعامل مع حريق أو حادث داخله.

 

 

1,517 انهيارًا و535 ضحية

 

حصيلة حوادث انهيار العقارات خلال الفترة من 2014 إلى 2019 تكشف أن التحذيرات لم تكن نظرية. فقد شهدت مصر 1,517 واقعة انهيار عقار، تضررت بسببها نحو 4,100 أسرة، وأصيب 1,417 شخصًا، بينما سقط 535 ضحية.

 

وتصدرت الإسكندرية المحافظات الأكثر تسجيلًا لانهيارات العقارات بعدد 417 واقعة، تلتها القاهرة بـ175 واقعة، ثم سوهاج بـ146 واقعة. وجاءت الغربية بعد ذلك بـ75 واقعة، ثم الدقهلية بـ70، والبحيرة بـ63، وأسيوط بـ61، والمنيا بـ60، والجيزة بـ55، وقنا بـ43 واقعة.

 

والأكثر خطورة أن السبب الرئيسي للانهيارات لم يكن عاملًا نادرًا أو مفاجئًا، بل قدم العقار وتهالكه، إذ ارتبط بـ1,019 واقعة، أي ما يقرب من ثلثي الحوادث المسجلة.

 

وجاءت الأعمال الإنشائية أو انهيار عقار مجاور وراء 143 واقعة، وسوء الأحوال الجوية وراء 90 واقعة، والانفجارات أو الحرائق وراء 67 واقعة. كما تسببت أعمال الهدم أو الإنشاء داخل العقارات في 54 واقعة، والمخالفات الفنية في 46 واقعة، والحفر والتنقيب عن الآثار في 42 واقعة، بينما ارتبطت 40 واقعة بمشكلات المياه الجوفية أو أعطال الصرف الصحي.

 

حادث منشية ناصر أعاد فتح الملف بأقسى صورة ممكنة. رجال إنقاذ دخلوا لمواجهة حريق، فإذا بالخطر الكامن في المبنى نفسه يتحول إلى قاتل. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كم عقارًا آخر ينتظر الحريق أو الأمطار أو مجرد مرور الزمن حتى يسقط؟

 

وجود أكثر من 93 ألف مبنى يحتاج إلى الإزالة، وأكثر من 3.2 مليون مبنى تحتاج إلى تدخل بدرجات مختلفة، يعني أن أزمة العقارات المتهالكة لم تعد ملفًا يمكن تركه حتى تقع الكارثة. فالأنقاض لا تميز بين ساكن ورجل إطفاء، ولا تنتظر انتهاء الإجراءات الورقية قبل أن تسقط.