خفض صندوق النقد الدولي في واشنطن توقعاته لنمو اقتصاد مصر خلال العام المالي الجاري بنسبة 0.4 نقطة مئوية إلى 4.4% بدلا من 4.8%، لتتسع الفجوة مع مستهدفات الحكومة الأعلى المعلنة.
تكشف المراجعة الجديدة وجها آخر للدعاية الاقتصادية الرسمية، فبينما تتحدث السلطة عن انطلاقة قوية، يبقى المواطن محاصرا بالأسعار والديون وتراجع القوة الشرائية، وتبقى أرقام النمو بعيدة عن التحول إلى تحسن يومي ملموس.
وبحسب أحدث تحديث لآفاق الاقتصاد العالمي، رفع الصندوق في المقابل تقدير نمو العام المالي المنتهي في يونيو 2026 إلى 4.6% بدلا من 4.2%، مستندا إلى أداء أقوى من المتوقع خلال الفترة السابقة.
غير أن هذه المراجعة الإيجابية للماضي لم تمنع الصندوق من خفض توقع المستقبل القريب، في إشارة واضحة إلى أن التحسن المسجل لا يضمن استدامة المسار، ولا يحصن الاقتصاد من الصدمات الخارجية والاختلالات المحلية.
كما أن الحكومة تستهدف نموا يدور حول 5.4% خلال العام المالي الحالي، بما يترك فارقا يقترب من نقطة مئوية كاملة مع تقدير الصندوق، ويكشف اتساع المسافة بين الخطط المعلنة والقراءة الدولية الأكثر تحفظا.
ومن ثم لا تبدو المشكلة في رقم واحد جرى تعديله، بل في نموذج اقتصادي يرفع سقف الوعود كل عام، ثم يطلب من المصريين قبول التضخم والضرائب والرسوم باعتبارها ثمنا مؤقتا لتعاف لا يصل.
وفي السياق نفسه، أرجعت بيتيا كويفا بروكس، نائبة مدير إدارة البحوث في الصندوق، ضعف التوقعات المقبلة إلى تراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف التمويل واستمرار عدم اليقين، وهي عوامل تضغط مباشرة على النشاط الاقتصادي.
لذلك يصبح خفض التوقعات إدانة غير مباشرة لاقتصاد يعتمد على تكلفة اقتراض مرتفعة، ويظل الاستثمار فيه حساسا للصدمات، بينما تواصل الحكومة تقديم كل تحسن مرحلي باعتباره تحولا تاريخيا لا رجعة عنه.
وفوق ذلك، يبدأ العام المالي المصري في يوليو وينتهي في يونيو، ما يعني أن توقع 4.4% يخص العام الذي بدأ بالفعل، وليس تقديرا بعيدا يمكن تأجيل محاسبته أو تحميل نتائجه لحكومة لاحقة.
بداية أبطأ من الدعاية
علاوة على ذلك، يضع رقم الصندوق الحكومة أمام اختبار صعب، لأن الخطة الرسمية تتحدث عن معدلات أعلى مدفوعة بالاستثمار الخاص والصادرات، بينما ترى المؤسسة الدولية أن الحرب الإقليمية والتمويل المكلف سيكبحان هذا الزخم.
وفي المقابل، قالت بروكس إن رفع تقدير العام الماضي جاء نتيجة أداء اقتصادي أقوى من المتوقع، لكن آثار الصراع الإقليمي ستصبح أكثر وضوحا مع الوقت، بما يضعف الاستثمار والثقة ويزيد كلفة الأموال.
وبناء على ذلك، لا يجوز للحكومة انتقاء الرقم المريح وترك الرقم المقلق، فرفع تقدير الماضي لا يلغي خفض توقع الحاضر، بل يكشف أن الاقتصاد دخل العام الجديد بأعباء لم تكن محسوبة بالحجم نفسه.
كذلك أوضحت دنيز إيغان، الخبيرة في الصندوق، أن تأثير الصراع يختلف بين الاقتصادات، وأن الدول المستوردة للطاقة مثل مصر تتأثر بحسب قدرتها على الصمود ومدى اعتمادها على الاقتصادات النفطية المجاورة.
لكن تعليق الأعباء كلها على الحرب يبقى تبريرا ناقصا، لأن الاقتصاد المصري دخل الصدمات وهو مثقل بخدمة دين ضخمة وفوائد مرتفعة واعتماد مستمر على التدفقات الخارجية، ما جعل أي اضطراب إقليمي أكثر كلفة.
فضلا عن ذلك، خفض الصندوق توقع نمو منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى خلال 2026، بسبب اضطرابات الطاقة والنقل والتجارة، وهو سياق يزيد الضغوط على مصر لكنه لا يعفي الحكومة من مسؤولية هشاشة الداخل.
وعليه، فإن الفرق بين 4.4% و5.4% ليس مجرد اختلاف فني بين نموذجين، بل فجوة سياسية في تقدير قدرة الاقتصاد على تنفيذ وعوده، خصوصا مع ارتفاع كلفة التمويل وضعف ثقة المستثمرين تحت ضغط المخاطر.
نمو لا يصل للناس
أما المواطن، فلا يقيس الاقتصاد بحجم الناتج وحده، بل بسعر الطعام والسكن والدواء والمواصلات، ولذلك يظل الاحتفال بنمو يفوق 4% بلا معنى اجتماعي إذا التهم التضخم الدخول واستمرت الخدمات في التراجع.
وفي الوقت ذاته، يمكن للاقتصاد أن ينمو بينما تتسع معاناة قطاعات واسعة، إذا تركز النشاط في مجالات لا تولد وظائف كافية أو ذهبت ثماره إلى أصحاب الأصول، بينما تحملت الأسر كلفة الإصلاحات والضرائب.
ومن ناحية أخرى، تكشف توقعات الصندوق أن التعافي ليس خطا مستقيما، فبعد تحسين تقدير العام المنتهي عاد لخفض العام الجديد، بما يهدم الخطاب الرسمي الذي يقدم كل ربع قوي كدليل نهائي على انتهاء الأزمة.
وفي قراءة موازية، حذر الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح من أن قوة الاحتياطيات تظل مرتبطة باستمرار تدفقات حقيقية من النقد الأجنبي، لأن الأرقام وحدها لا تكفي ما لم تستند إلى موارد مستدامة داخل الاقتصاد.
وهذا التحذير يمتد إلى النمو نفسه، إذ لا تكفي نسبة مرتفعة مؤقتا إذا ظلت قائمة على الاقتراض أو صفقات استثنائية أو تدفقات سريعة الخروج، بينما يظل التصنيع والإنتاج والتصدير عاجزا عن بناء حماية طويلة الأجل.
إلى جانب ذلك، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يحاصر الشركات والأسر، ويجعل تمويل التوسع أكثر صعوبة، وهو ما يتفق مع تفسير الصندوق الذي وضع ارتفاع تكاليف التمويل بين الأسباب المباشرة لتراجع توقعات العام الحالي.
فجوة الوعود والواقع
وبالتالي تواجه الحكومة سؤالا لا تجيب عنه المؤتمرات، لماذا تصر على أهداف أعلى من المؤسسات الدولية ثم تتعامل مع أي خفض باعتباره تفصيلا، بينما يطلب من الناس تحمل المزيد من الإجراءات باسم أرقام لا تتحقق.
إضافة إلى ذلك، فإن استهداف نمو أعلى ليس خطأ في ذاته، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الهدف إلى دعاية، ولا تصاحبه مساءلة عن أسباب الإخفاق أو كشف واضح للقطاعات التي ستقود النمو ومصادر التمويل.
ومن جانب آخر، يظل الاعتماد المتزايد على الصندوق نفسه علامة على محدودية الاستقلال الاقتصادي، فالمؤسسة التي تقرض الحكومة هي التي تراجع أرقامها وتحدد المخاطر، بينما تدفع الأسر ثمن القرارات الناتجة عن البرنامج.
ومع ذلك، لا تعني توقعات 4.4% أن الاقتصاد متجه حتما إلى الانهيار، لكنها تنسف المبالغة الرسمية وتؤكد أن التعافي أبطأ وأكثر هشاشة من الصورة المروجة، وأن المخاطر الخارجية تجد اقتصادا مكشوفا أمامها.
وفي النهاية، يكشف خفض التوقعات أن المعركة ليست حول أعشار النسب، بل حول من يدفع ثمن الفجوة بين الوعود والواقع، فالحكومة تحتفظ بخطاب النجاح، والصندوق يخفض الأرقام، والمواطن يتحمل الكلفة.
وهكذا تدخل مصر عاما ماليا جديدا بتوقع أقل من الطموح الحكومي، وباقتصاد تحاصره كلفة التمويل والصراع الإقليمي والاعتماد على الخارج، بينما يبقى السؤال الأكثر إلحاحا متى يتحول النمو من رقم إلى حياة أفضل.

