يرى الكاتب والمعالج النفسي كيفن دافي أن كثيرين يعيشون حياتهم وكأنهم على الطيار الآلي، فيواصلون أداء أدوارهم اليومية دون شعور حقيقي بالارتباط بذواتهم أو بما يعيشونه. ويشرح أن هذا الإحساس الخافت بالاغتراب الداخلي قد يستمر سنوات من دون أن يلفت الانتباه، رغم غياب أي اضطراب نفسي واضح.


ونشرت مجلة سايكولوجي توداي هذا التقرير موضحة أن الشعور بالفراغ أو الانفصال عن الذات لا يعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب أو القلق، بل قد يعكس فقدان الإنسان صلته بتجربته الشخصية، وهو ما وصفه الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد بـ"اليأس"، أي الابتعاد التدريجي عن الذات الحقيقية.


النجاح الخارجي لا يعني الحضور الداخلي


يوضح الكاتب أن معظم الناس يقيسون نجاحهم بمقارنته بإنجازات الآخرين أو بتحقيق المعايير الاجتماعية مثل الوظيفة والأسرة والمكانة، بينما يهملون فهم دوافعهم الحقيقية وقيمهم ومشاعرهم. ويؤكد أن الإنسان قد ينجح مهنيًا وأسريًا، لكنه يظل يشعر بأنه يشاهد حياته من الخارج بدلًا من أن يعيشها.


ويضرب مثالًا برجل في الرابعة والأربعين من عمره يمتلك وظيفة ناجحة وأسرة مستقرة، لكنه لجأ إلى العلاج النفسي لأنه شعر بأنه غائب عن حياته رغم عدم معاناته من الاكتئاب أو القلق. وعندما سُئل عما يريده فعلًا، عجز عن الإجابة، بعدما اعتاد اتخاذ قراراته وفق ما يتوقعه الآخرون لا وفق رغباته الشخصية.


ويرى الكاتب أن هذه الحالة شائعة أكثر مما يظن كثيرون، إذ يقضي البعض سنوات طويلة في تلبية توقعات المجتمع، بينما يهملون بناء علاقة حقيقية مع أنفسهم، فيفقدون تدريجيًا الإحساس بالهوية والهدف.


كيركيجارد: أخطر ما قد يفقده الإنسان هو نفسه


يستند التقرير إلى أفكار الفيلسوف سورين كيركيجارد، الذي رأى أن اليأس لا يقتصر على الحزن، بل يتمثل في عيش الإنسان بعيدًا عن ذاته الحقيقية. وقد يبدو الشخص ناجحًا ومستقرًا من الخارج، لكنه يشعر في داخله بأن شيئًا أساسيًا ينقصه دون أن يعرف ماهيته.


ويؤكد الكاتب أن التغيير لا يبدأ بتقديم حلول جاهزة، بل بإثارة الفضول تجاه العالم الداخلي، ودفع الإنسان إلى التمييز بين ما يشعر به فعلًا وما يعتقد أنه ينبغي أن يشعر به، وبين ما يريده حقًا وما يظن أنه يجب أن يريده.


كيف يستعيد الإنسان علاقته بنفسه؟


يشير التقرير إلى أن استعادة الاتصال بالذات تبدأ بطرح أسئلة صادقة حول الرغبات والقيم الشخصية بدلًا من الاكتفاء بالإجابات التلقائية. كما يدعو إلى ملاحظة الفجوة بين المشاعر الحقيقية وما يعلنه الإنسان للآخرين، لأن الوعي بهذه الفجوة يساعد على تقليص المسافة بين الشخصية التي يؤديها أمام المجتمع وشخصيته الأصيلة.


ويضيف أن فترات التحول في الحياة، مثل مغادرة الأبناء المنزل أو تغيير العمل أو انتهاء مرحلة عمرية، تمنح فرصة لإعادة اكتشاف الذات بدلًا من الهروب إلى الانشغال المستمر. ويرى أيضًا أن ممارسة الهوايات، واستكشاف القيم الشخصية، والانفتاح على الفضول تجاه النفس، خطوات بسيطة لكنها تكشف جوانب حقيقية من الهوية.


ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن كيركيجارد لم يعتبر السعادة نقيض اليأس، بل رأى أن النقيض الحقيقي يكمن في أن يصبح الإنسان نفسه، وأن يعيش في علاقة صادقة مع خبراته ومشاعره، لأن العودة إلى الذات تحدث غالبًا بهدوء وتدريجيًا، لا عبر لحظة تحول مفاجئة.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-subplot/202607/are-you-actually-here