أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية ارتفاع رصيد الدين الخارجي لمصر إلى 164.78 مليار دولار بنهاية الربع الأول من 2026، بزيادة 868 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر، لتواصل القاهرة صعودها داخل دوامة اقتراض لا تتوقف.
ويكشف الرقم الجديد أن السلطة، رغم سنوات الحديث عن الإصلاح والاستدامة وخفض المديونية، لم تنجح في كسر المسار الذي جعل المصريين يدفعون ثمن اختيارات اقتصادية توسعت في القروض والمشروعات الثقيلة دون عوائد دولارية سريعة.
اقتراض يسدد اقتراضًا جديدًا
وبالتالي، لا تبدو زيادة 0.5% هامشية حين توضع بجوار قفزة قدرها 8.82 مليار دولار خلال 2025 وحده، إذ صعد الدين من 155.09 مليار دولار إلى 163.91 مليارًا قبل الزيادة الجديدة.
كما أن المقارنة السنوية تفضح تناقضًا بين خطاب حكومي يتحدث باستمرار عن سداد الالتزامات وبين واقع يعيد إنتاج الدين، لأن ما يخرج في صورة أقساط وفوائد تعوضه قروض جديدة تعيد الرصيد إلى الأعلى.
ومن ثم، يصبح المواطن محاصرًا بين فاتورة الدين وفاتورة التضخم، بينما تتقلص قدرة الموازنة على تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وتتحول موارد الدولة إلى خدمة التزامات صنعتها سياسات لم يشارك الناس في اختيارها.
غير أن الحكومة تقدم مسارًا مختلفًا، إذ تستهدف خفض رصيد الدين الخارجي لأجهزة الموازنة إلى 77.5 مليار دولار، وتقليص خدمة الدين الخارجي إلى 14.5% من المصروفات خلال العام المالي 2026/2027.
لكن هذه الأهداف المستقبلية لا تلغي الحقيقة الراهنة، وهي أن إجمالي الدين الخارجي واصل الارتفاع، وأن الوعود بخفض العبء تتكرر بينما يظل الاقتصاد محتاجًا إلى تدفقات دولارية وقروض جديدة لتغطية فجواته والتزاماته.
ويشرح الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب هذه الدائرة بأن مصر تسدد الأقساط والفوائد فعلًا، لكنها تضيف في الوقت نفسه ديونًا جديدة من دول ومؤسسات دولية، فتتجاوز القروض الجديدة ما جرى سداده.
وبحسب عبد المطلب، لا تقتصر القروض على صندوق النقد الدولي، بل تشمل البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي والاتحاد الأوروبي ودولًا أخرى، وهو ما يجعل الاقتراض المتجدد أوسع كثيرًا من الصورة التي يقدمها الخطاب الرسمي.
لذلك، فإن الحديث عن انتظام السداد لا يكفي وحده لقياس سلامة المسار، لأن الدولة التي تقترض كي تسدد أو تعوض ما سددته قد تحافظ على صورتها الائتمانية، لكنها لا تخرج فعليًا من أسر الدين.
مشروعات ضخمة وعوائد مؤجلة
وعلاوة على ذلك، ترتبط الأزمة بنموذج اقتصادي أنفق بكثافة على مشروعات ضخمة لا تولد كلها عوائد دولارية سريعة، بينما بقيت الصادرات والاستثمار المنتج أقل من احتياجات بلد يواجه استحقاقات خارجية متزايدة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد أنيس أن استمرار الإصلاحات والمشروعات القومية يفرض أعباء مالية تدفع إلى قروض جديدة، خصوصًا أن معظم هذه المشروعات لا تحقق عوائد مالية سريعة أو مباشرة تكفي لسداد القروض وفوائدها.
وبناءً على ذلك، لا يمكن فصل الدين عن سؤال الأولويات، لأن الاقتراض يصبح أكثر خطورة عندما يذهب إلى أصول بطيئة العائد أو غير مولدة للعملة الصعبة، بينما تتحمل الموازنة التكلفة لسنوات طويلة.
وفي المقابل، تقترح الحكومة خفض دين أجهزة الموازنة إلى 68% من الناتج المحلي بحلول 2029/2030، مقارنة مع 84%، وهو هدف يحتاج إلى نمو قوي وإيرادات مستقرة وانضباط اقتراض لم يظهر بعد بصورة حاسمة.
مع ذلك، فإن انخفاض النسبة إلى الناتج لا يعني بالضرورة تراجع القيمة المطلقة للدين، لأن التضخم ونمو الناتج الاسمي قد يحسنان النسبة حسابيًا، بينما تبقى الالتزامات الفعلية والفوائد وضغوط السداد قائمة.
كذلك تستهدف وزارة المالية رفع الإيرادات إلى 17.4% من الناتج بحلول 2029/2030، مقابل 15%، مع خفض المصروفات إلى 21.4%، وهي معادلة قد تعني عمليًا مزيدًا من الضرائب والرسوم وضبط الإنفاق.
وفي هذا السياق، يخشى المصريون أن تتحول خطة زيادة الإيرادات إلى تحميل الفئات الأضعف مزيدًا من الأعباء، بينما لا يظهر إصلاح مماثل في أولويات الإنفاق أو شفافية الاقتراض أو تقييم جدوى المشروعات الكبرى.
أما الخبير المصرفي طارق إسماعيل فيلفت إلى عامل آخر، هو تغير أسعار العملات، موضحًا أن ارتفاع اليورو أمام الدولار يرفع القيمة الدولارية للديون المقومة باليورو، حتى دون الحصول على قرض جديد.
وبالإضافة إلى أثر العملات، يرى إسماعيل أن تدوير الديون قائم بقوة، إذ تُطرح ديون جديدة عند استحقاق القديمة بسبب الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، بما يبقي ماكينة الاقتراض جزءًا من إدارة الأزمة.
وهكذا، تصبح المشكلة أعمق من رقم 164.78 مليار دولار، لأنها تكشف اقتصادًا يعتمد على استبدال التزام بالتزام، ويحتاج باستمرار إلى تمويل خارجي حتى يحافظ على قدرته على السداد وتغطية فجوة النقد الأجنبي.
الموازنة تختنق والمواطن يدفع
وفوق ذلك، فإن خدمة الدين تلتهم مساحة واسعة من الموازنة، ما يعني أن كل ارتفاع في تكلفة الاقتراض أو سعر الصرف يمكن أن يضغط على الإنفاق العام، ويزاحم احتياجات الناس الأساسية في الصحة والتعليم.
ومن ناحية أخرى، تستهدف المالية خفض عجز الموازنة إلى 4.9% بحلول 2029/2030، مقابل 7%، لكن الوصول إلى هذا الرقم سيظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات حقيقية لا قروضًا مؤقتة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار زيادة الاحتياطي أو تحسن بعض المؤشرات غطاءً كافيًا، لأن الاحتياطي نفسه يعمل داخل بيئة مثقلة بالالتزامات، بينما يحتاج الاقتصاد إلى مصادر مستدامة للدولار لا تدفقات مؤقتة.
وعليه، فإن الخروج من الدائرة يتطلب وقف التوسع غير الضروري في القروض، وإعادة ترتيب المشروعات، وزيادة الصادرات والاستثمار المنتج، وهي تقريبًا الوصفة التي طرحها عبد المطلب وأنيس بدل إدارة الدين بدين جديد.
ثم إن تحديد سقف واضح للدين، كما اقترح محمد أنيس، يعيد النقاش إلى جوهر غائب منذ سنوات، وهو ضرورة وجود حد سياسي ومالي يمنع السلطة التنفيذية من التعامل مع الاقتراض كخيار مفتوح بلا نهاية.
وفي النهاية، لا يقدم الرقم الجديد مجرد تحديث إحصائي، بل شهادة على فشل طويل في بناء اقتصاد يولد ما يكفي من العملات الأجنبية، ويضع المصريين أمام كلفة متراكمة لسياسات اقترضت باسم التنمية وتركت الدين يتضخم.
ولهذا، فإن أخطر ما في 164.78 مليار دولار ليس الرقم نفسه، بل اعتياد السلطة على صعوده ثم تقديم خطط بعيدة لخفضه، بينما يبقى المواطن حاضرًا دائمًا عند الدفع وغائبًا عن القرار والمحاسبة.

