أعلنت وزارة الصحة العامة اللبنانية ارتفاع الحصيلة التراكمية للهجمات الإسرائيلية على لبنان إلى 4321 شهيدًا و12204 جرحى، منذ 2 مارس وحتى 9 يوليو 2026، في واحدة من أكثر موجات التصعيد دموية، بينما تتجدد العمليات العسكرية جنوبًا وتتسع المخاوف من انهيار التهدئة الهشة التي لم تنجح في وقف سقوط الضحايا أو إعادة الاستقرار إلى البلاد.
وتكشف الأرقام الجديدة أن لبنان لا يزال يدفع الثمن الإنساني لصراع إقليمي يتجاوز حدوده، بعدما تحولت أراضيه مجددًا إلى ساحة مفتوحة للرسائل العسكرية وتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة، فيما يبقى المدنيون الحلقة الأضعف أمام القصف والنزوح وانهيار الخدمات واتساع دائرة الخوف من حرب جديدة لا يملكون قرار بدايتها أو نهايتها.
الجنوب يشتعل رغم اتفاقات وقف النار
شهدت الساعات الأخيرة تجددًا واضحًا للعمليات العسكرية في جنوب لبنان، حيث نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير ونسف داخل بلدتي الخيام والطيبة، بالتزامن مع قصف مدفعي طال أطراف دير سريان، في مؤشر على هشاشة الوضع الميداني واستمرار قدرة أي تطور محدود على إعادة الجبهة إلى الاشتعال.
وجاءت هذه العمليات بعد أشهر من القتال الواسع الذي بدأ في مارس، عندما امتدت تداعيات المواجهة الإقليمية إلى لبنان، وأسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 4300 شخص وتشريد أكثر من 600 ألف، تاركة بلدات جنوبية وأحياء واسعة أمام مشهد من الدمار والعودة الحذرة إلى منازل مهدمة أو غير صالحة للحياة.
وكان اتفاق لوقف الأعمال القتالية قد دخل حيز التنفيذ في 16 أبريل لمدة أولية تبلغ عشرة أيام، بوساطة أمريكية، بهدف إفساح المجال أمام مفاوضات أوسع، إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الاتفاق لم يتحول إلى ضمانة دائمة لوقف العمليات العسكرية أو حماية السكان.
ثم وقعت بيروت وتل أبيب في 26 يونيو اتفاق إطار برعاية أمريكية يتضمن ترتيبات لانسحاب إسرائيلي متدرج من الأراضي اللبنانية، غير أن الهجمات استمرت، بينما بقي تنفيذ الاتفاق محاطًا بالخلافات والشكوك، واستمرت التحركات العسكرية على الأرض بما أبقى الجنوب في حالة انتظار وترقب دائمين.
وتفضح هذه الوقائع محدودية الاتفاقات التي تعلن سياسيًا ثم تتآكل ميدانيًا، إذ يعود السكان إلى قراهم على أمل استعادة حياتهم، ثم يجدون أنفسهم أمام تفجيرات جديدة أو قصف مدفعي أو تحليق متواصل للطائرات، بما يجعل العودة نفسها مغامرة محفوفة بالموت والخسارة.
حرب الإقليم تدفع لبنان نحو الهاوية
لا ينفصل اشتعال الجبهة اللبنانية عن عودة التوتر الحاد بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما انهارت التهدئة الإقليمية وتجددت الضربات والهجمات المتبادلة خلال يوليو، الأمر الذي أعاد رفع مستوى الخطر في المنطقة وفتح الباب أمام امتداد المواجهة إلى ساحات أخرى مرتبطة بالصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي.
ومنذ بدء الحرب الإقليمية في أواخر فبراير، أصبح لبنان أحد أكثر البلدان تعرضًا لتداعياتها، حيث امتدت المواجهات إلى حزب الله والقوات الإسرائيلية، وتحولت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع وضاحية بيروت إلى أهداف للضربات، وسط انهيار متكرر للتهدئات ومحاولات دبلوماسية لم تنجح في بناء استقرار دائم.
وفي هذا السياق، تبدو عودة العمليات في الخيام والطيبة أكثر خطورة من مجرد حادث ميداني محدود، لأنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة التوتر، يمكن خلالها لأي ضربة أو رد أن يعيد لبنان بسرعة إلى دائرة الحرب الواسعة التي حاول السكان الخروج منها خلال الأسابيع الماضية.
كما أن استمرار القوات الإسرائيلية داخل مناطق من الجنوب يزيد احتمالات الاحتكاك ويعقد فرص تثبيت الهدوء، خصوصًا مع الخلاف المستمر حول شروط الانسحاب ومستقبل سلاح حزب الله وترتيبات الأمن الحدودي، وهي ملفات تحولت إلى عناصر ضغط داخلية وإقليمية تهدد بإعادة فتح الجبهة.
ولا يدفع ثمن هذا الصراع القادة الذين يتفاوضون أو الجيوش وحدها، بل بلد يعاني أصلًا أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، وسكان فقدوا بيوتهم وأعمالهم وأقاربهم، ثم عادوا ليجدوا أن الهدوء مؤقت وأن حقائب النزوح لا تزال جاهزة عند أول انفجار جديد.
المدنيون يدفعون ثمن الفشل الدولي المتكرر
تكشف حصيلة 4321 قتيلًا و12204 جرحى حجم الكارثة التي تراكمت خلال أكثر من أربعة أشهر، وهي أرقام رسمية لا تختصر معاناة عائلات فقدت أفرادها أو بلدات دمرت أو مصابين يحتاجون إلى علاج طويل في بلد يعاني قطاعه الصحي ضغوطًا مالية ولوجستية متزايدة.
وأصبح العاملون في الإسعاف والمستشفيات أمام تحديات متكررة للوصول إلى المناطق المتضررة وإنقاذ المصابين، بينما تؤدي العمليات المستمرة وعدم استقرار الجبهة إلى تعقيد حركة فرق الإنقاذ وإعادة الإعمار، وتزيد الحاجة إلى حماية المنشآت الصحية والطرق التي يعتمد عليها المدنيون في النجاة.
وفي الجنوب، يحاول السكان العودة إلى قرى مدمرة وإعادة فتح المحال وتنظيف الأنقاض، لكن الخوف لا يفارقهم، إذ يحتفظ كثيرون بخطط بديلة ومساكن احتياطية تحسبًا للفرار مجددًا، في انعكاس لحالة نفسية واجتماعية صنعتها دورات متكررة من الحرب والنزوح والعودة.
وبينما تتحدث العواصم عن الاتفاقات والمفاوضات ومراحل الانسحاب، يبقى السؤال الإنساني أكثر إلحاحًا، لأن كل تأخير في تثبيت وقف حقيقي للنار يعني مزيدًا من القتلى والجرحى والنازحين، ومزيدًا من القرى التي تتحول إلى ساحات عسكرية بدل أن تكون أماكن آمنة لسكانها.
وتؤكد الحصيلة الحالية أن المسار الدبلوماسي لم ينجح حتى الآن في توفير حماية فعلية للبنانيين، فالاتفاقات تعقد ثم تستمر الخروقات، والتهدئات تعلن ثم تعود المدافع، بينما يتراكم الموت ببطء ويصبح الرقم الجديد مجرد محطة مؤقتة قبل حصيلة أخرى.
وهكذا يقف لبنان مرة جديدة على حافة انفجار أوسع، محاصرًا بين عمليات إسرائيلية متواصلة وصراع إقليمي متجدد واتفاقات لا تملك القوة الكافية لحماية المدنيين، فيما يظل السؤال الأخطر بلا إجابة: كم قتيلًا آخر يحتاج العالم قبل أن يتحول وقف النار من بيان سياسي إلى واقع حقيقي؟

