اندلع حريق مروع داخل شقة بالطابق السابع في أبراج المحمودية بمنطقة العمرانية في الجيزة، ليحاصر أسرة كاملة بين ألسنة اللهب والدخان، وينتهي بمصرع 5 من أفرادها وسط صرخات الاستغاثة ومحاولات الأهالي العاجزة عن الوصول إليهم.

وبينما باشرت النيابة العامة التحقيق في أسباب الحريق، فجرت شهادات سكان المنطقة اتهامات خطيرة بشأن تأخر وصول معدات الإطفاء الملائمة للأدوار المرتفعة، وعدم توافر سيارة مزودة بسلم هيدروليكي في نقطة الحماية المدنية القريبة، ما حول الحادث من كارثة منزلية إلى قضية تتعلق بجاهزية الدولة لحماية المواطنين.
صرخات من الطابق السابع

 

بدأت الفاجعة عندما تصاعدت النيران من الشقة السكنية، فحاصرت أفراد الأسرة ومنعتهم من الوصول إلى باب الخروج، بينما تجمع الأهالي أسفل المبنى محاولين إطفاء الحريق أو العثور على وسيلة لإنقاذ المحاصرين في الأعلى.

 

وأظهرت المقاطع المتداولة أفراد الأسرة وهم يطلبون النجدة من النافذة، فيما كانت كثافة الدخان وألسنة اللهب تتزايد بسرعة، من دون أن يمتلك السكان سلما يصل إلى الطابق المرتفع أو معدات تمكنهم من اقتحام الشقة.

 

وبحسب روايات نشرتها وسائل إعلام محلية، اضطرت الأم إلى القفز من نافذة الطابق السابع مع اثنتين من بناتها هربا من النيران، بينما عثرت فرق الإطفاء لاحقا على طفلين آخرين بين الأثاث والركام المتفحم داخل الشقة.

 

وأسفرت الكارثة عن وفاة 5 أشخاص من الأسرة، فيما تحدثت بعض التغطيات عن إصابة فرد آخر ونقله إلى المستشفى، وظلت التفاصيل المتعلقة بهوية جميع الضحايا متفاوتة بين التقارير المنشورة خلال الساعات الأولى للحادث.

 

وقالت صفحة تكنوقراط مصر إن الأسرة استغاثت بالمطافئ، لكن الرد كان أن سيارة الإطفاء المزودة بسلالم موجودة في الدقي، مشيرة إلى أنها وصلت بعد نحو ساعة ونصف، بعدما كانت النيران قد أنهت حياة أفراد الأسرة.

 

 

 

 

كما نشرت قناة مكملين مشاهد من الحريق، وقالت إن أسرة كاملة لقيت مصرعها حرقا في حي العمرانية، وسط استغاثات متواصلة أطلقها أفرادها من شرفة المنزل، واتهمت سيارات الإطفاء بالتأخر عدة ساعات عن الوصول.

 

 

 

ولا تزال مدة التأخر بحاجة إلى حسم رسمي من خلال سجلات تلقي البلاغات وتحرك المركبات ووصولها إلى موقع الحادث، إلا أن هذه الرواية وصلت إلى مجلس النواب، بعدما تقدم النائب إيهاب منصور بطلب إحاطة للتحقق منها.

 

وقال منصور إن شهود عيان أبلغوه بوصول سيارات الحماية المدنية بعد أكثر من ساعة ونصف، مطالبا الحكومة بكشف توقيت البلاغ والتحرك والوصول، ومراجعة جاهزية منظومة الإطفاء، وإعلان نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت التقصير.

 

 

سلم واحد ومحافظة مكتظة

 

تجاوز الغضب سبب اندلاع الحريق إلى سؤال أكثر خطورة، يتعلق بكيفية ترك أحياء كثيفة السكان وممتلئة بالأبراج والمباني المرتفعة من دون عدد كاف من سيارات الإطفاء المزودة بالسلالم الهيدروليكية ومعدات الإنقاذ من الارتفاعات.

 

وقالت صابرين رجب إن الأهالي اتصلوا بالمطافئ بعدما عجزوا عن الوصول إلى الشقة، لكنهم أبلغوا، بحسب روايتها، بأن السيارة المزودة بالسلم موجودة في الدقي، رغم وجود نقطة إطفاء داخل العمرانية وعلى مسافة أقرب من موقع الكارثة.

 

 

 

وتساءلت كيف تعتمد محافظة بحجم الجيزة عمليا على عدد محدود من سلالم الإنقاذ، وكيف تبقى سيارة الإطفاء العادية قريبة من الحادث لكنها عاجزة عن بلوغ الأسرة المحاصرة، معتبرة أن الواقعة تكشف خللا يستوجب المحاسبة.

 

ويفرض موقع الحريق داخل برج مرتفع ضرورة مراجعة توزيع معدات الحماية المدنية وفقا للكثافة السكانية وارتفاعات المباني، فلا يكفي وجود نقطة إطفاء محلية إذا كانت مركباتها لا تملك الوسائل اللازمة للتعامل مع طبيعة العمران المحيط بها.

 

كما يكشف الحادث فجوة بين التوسع العشوائي والرأسي في البناء وبين تطوير قدرات الإنقاذ، إذ تسمح الدولة بوجود آلاف الوحدات في مبان مرتفعة وممرات ضيقة، ثم تظل أقرب معدات الوصول إلى الطوابق العليا متمركزة في منطقة أخرى.

 

ولا يمكن تحميل الأسرة أو السكان مسؤولية إنقاذ أشخاص محاصرين في الطابق السابع، فالحماية من الحرائق خدمة عامة متخصصة تتطلب سيارات سلالم، وأطقم مدربة، وأجهزة تنفس، وشبكات مياه وضغطا مناسبا، واستجابة تقاس بالدقائق لا بالساعات.

 

وحتى مع احتمال وجود إهمال منزلي أو تسرب غاز، كما ذكرت بعض الروايات، فإن سبب اشتعال النار يختلف عن مسؤولية إنقاذ المحاصرين ومنع اتساع الخسائر، ولا يجوز استخدام خطأ محتمل من الضحايا لتبرير قصور خدمات الطوارئ.

 

 

مليارات بلا وسائل إنقاذ

 

انتقد أحمد الصواف إنفاق مليارات الجنيهات تحت شعار تطوير البنية التحتية، بينما تعجز الدولة عن توفير سيارات إطفاء كافية للأدوار العليا أو توظيف تقنيات حديثة، مثل الطائرات المسيرة ووسائل الإطفاء والإنقاذ المتخصصة.

 

 

 

 

وربط الصواف المأساة بإهمال الأحياء الشعبية وتدهور البنية الخدمية فيها، معتبرا أن الأموال التي تنفق على المستشارين والمؤسسات السياسية والمحليات كان الأولى أن يخصص جزء منها لصيانة المرافق وتوفير وسائل الحماية في المناطق المكتظة.

 

وأشار إلى احتمال وجود إهمال من الأسرة، لكنه شدد على أن ذلك لا يمثل مبررا لترك أفرادها يموتون، لأن توفير الحماية والإنقاذ في جميع الأحياء واجب أساسي على أي دولة تحترم حياة مواطنيها.

 

ولا تبدو واقعة العمرانية حادثا منفصلا عن سلسلة حرائق كشفت خلال السنوات الماضية هشاشة اشتراطات السلامة في كثير من المباني، وضيق الشوارع المؤدية إليها، وعدم توافر مخارج طوارئ أو أجهزة إنذار وإطفاء أولي.

 

لكن تحميل مخالفات البناء وحدها المسؤولية يبقى تبسيطا يخفي دور الأجهزة المحلية، لأنها الجهة التي سمحت بإنشاء المباني أو عجزت عن وقفها، وهي المسؤولة أيضا عن التفتيش على اشتراطات السلامة وتوفير خطط طوارئ تناسب الواقع القائم.

 

وتستوجب الكارثة نشر تسجيل البلاغ وتوقيت وصول أول سيارة إطفاء، وعدد السيارات التي تحركت، ومواقع تمركز السلالم الهيدروليكية داخل الجيزة، وسبب عدم وجود المعدة المناسبة بالقرب من أحد أكثر أحياء المحافظة ازدحاما.

 

كما ينبغي ألا ينتهي طلب الإحاطة ببيان حكومي عام يشيد بسرعة التحرك، بل يجب تشكيل لجنة فنية مستقلة تراجع توزيع المعدات وأوقات الاستجابة وحالة سيارات الإطفاء، ثم تعلن النتائج كاملة أمام الرأي العام.

 

فالمحاسبة الإدارية وحدها لا تكفي إذا أثبت التحقيق أن نقص التجهيزات ناتج عن قرارات تمويل وتخطيط ممتدة، لأن المسؤولية عندها تصبح سياسية وتشمل من حددوا أولويات الإنفاق وتركوا حياة السكان معلقة بوصول سيارة من حي آخر.

 

لقد مات أفراد الأسرة أمام أعين جيرانهم، وتحولت هواتف المواطنين إلى الوسيلة الوحيدة لتوثيق صرخاتهم، في مشهد يلخص الفارق بين سرعة انتشار الفيديو وبطء وصول الإنقاذ.

 

وستظل فاجعة العمرانية دليلا على أن المشروعات الضخمة لا تعني وجود بنية تحتية آمنة، ما دامت سيارة سلم واحدة قد تفصل بين الحياة والموت، وما دامت مناطق كاملة تنتظر الإغاثة حتى تلتهم النار من بداخلها.