أعرب مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء تواتر شكاوى محتجزين وذويهم بشأن تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية داخل سجن المنيا، وسط اتهامات باستمرار الإهمال الطبي، والتكدس داخل الزنازين، وتقليص فترات التريض، ومنع بعض الشعائر الدينية والمواد الثقافية، إلى جانب إخضاع أسر المحتجزين لإجراءات تفتيش وصفها المركز بأنها مهينة للكرامة الإنسانية، مطالبا بفتح تحقيق مستقل وشفاف، وتمكين المرضى من العلاج العاجل، وتحسين ظروف الاحتجاز بما يتوافق مع القانون وقواعد الأمم المتحدة لمعاملة السجناء.
وتكشف الشهادات التي أوردها المركز عن صورة شديدة القسوة للحياة اليومية داخل السجن، حيث لا تقتصر المعاناة، وفق روايات المحتجزين وذويهم، على الحرمان من الحرية، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على الدواء والرعاية الطبية، والعيش في مساحات ضيقة ومزدحمة، وفرض قيود على التريض والعبادة والقراءة، في وقت يفترض فيه أن تظل الدولة مسؤولة عن سلامة كل شخص موجود تحت سلطتها، بغض النظر عن الاتهامات الموجهة إليه أو الأحكام الصادرة بحقه.
الإهمال الطبي يهدد المرضى
تأتي اتهامات الإهمال الطبي في مقدمة الشكاوى الواردة من داخل سجن المنيا، إذ أفاد مركز الشهاب بأن محتجزين مرضى يواجهون قيودا صارمة تحول دون حصولهم على العلاج بصورة منتظمة وكاملة، بما في ذلك صرف كميات ناقصة من الأدوية التي يقررها الأطباء، أو تأخير عرض المرضى على العيادات والمتخصصين، رغم وجود حالات تحتاج إلى متابعة عاجلة أو تدخلات جراحية لا تحتمل التأجيل.
ولا يمثل تأخير العلاج داخل أماكن الاحتجاز مجرد خلل إداري يمكن تبريره بضغط العمل أو ضعف الإمكانات، لأن المحتجز لا يملك حرية التوجه إلى مستشفى أو شراء الدواء بنفسه، وإنما يصبح معتمدا بصورة كاملة على إدارة السجن والجهات الطبية التابعة لها. ومن ثم تتحول أي مماطلة في التشخيص أو العلاج إلى تهديد مباشر للحق في الحياة والسلامة الجسدية، وقد تؤدي إلى مضاعفات صحية يصعب علاجها لاحقا.
وتشير الشهادات، بحسب بيان المركز، إلى انتظار بعض الحالات الحرجة لأسابيع قبل العرض على طبيب، رغم حاجتها إلى فحوص أو إجراءات عاجلة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن آليات تقييم الحالات المرضية، ومدى توافر الأطباء والأدوية، ومن يملك قرار نقل المحتجز إلى مستشفى خارجي عندما تعجز عيادة السجن عن تقديم الرعاية المطلوبة.
وطالب مركز الشهاب بتمكين جميع المحتجزين من الحصول على العلاج الكامل دون تأخير أو تمييز، وبدء تقديم الرعاية الفورية للحالات الحرجة، مع ضرورة إجراء فحوص مستقلة للمرضى الذين تدهورت أوضاعهم الصحية. كما شدد على أن الإهمال الطبي، متى كان متعمدا أو متكررا، لا يمكن فصله عن منظومة سوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
تكدس وعزلة وقيود يومية
ولا تقف الشكاوى عند حدود الرعاية الصحية، بل تمتد إلى ظروف الإقامة داخل الزنازين، حيث ذكر المركز أن الزنزانة التي لا تتجاوز مساحتها 20 مترا مربعا قد تضم ما بين 10 و15 محتجزا. ويعني ذلك أن كل محتجز يعيش في حيز شديد الضيق، مع محدودية الحركة والتهوية والخصوصية، بما يرفع احتمالات انتشار الأمراض المعدية ويضاعف الآثار النفسية للاحتجاز المطول.
ويتزامن هذا التكدس، وفق الشهادات، مع تقليص فترة التريض إلى نحو 4 ساعات أسبوعيا فقط، وهي مدة لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية للحركة والتعرض للهواء والشمس. ويؤدي الحرمان المطول من التريض إلى زيادة مخاطر الإصابة بأمراض العضلات والمفاصل، وتفاقم أمراض القلب والسكري والضغط، فضلا عن آثاره النفسية المرتبطة بالعزلة والضيق والتوتر المستمر.
كما تحدث المركز عن منع إقامة صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، ومصادرة الكتب والمواد الثقافية خلال عمليات تفتيش وصفها بالتعسفية. وتمثل هذه الإجراءات، إن صحت، قيودا على حقوق أساسية لا تسقط بسبب الاحتجاز، وفي مقدمتها حرية ممارسة الشعائر الدينية، والحق في المعرفة والاطلاع والتواصل مع العالم الخارجي ضمن الضوابط الأمنية المشروعة.
وتبرز خطورة هذه الممارسات في أنها لا تبدو، وفقا للشهادات، حوادث فردية منفصلة، بل ترتبط بنمط يومي من القيود التي تجعل حياة المحتجز خاضعة بالكامل لقرارات إدارية لا تخضع لرقابة علنية كافية. فغياب الشفافية داخل السجون، ومنع المراقبة المستقلة، وصعوبة وصول الشكاوى إلى جهات التحقيق، كلها عوامل تسمح باستمرار الانتهاكات دون محاسبة فعالة.
أسر المحتجزين في دائرة الإهانة
تمتد المعاناة، بحسب مركز الشهاب، إلى أسر المحتجزين خلال الزيارات، حيث تحدثت شهادات عن إخضاع ذويهم لعمليات تفتيش تمس الكرامة الإنسانية. وتتحمل الأسر بالفعل أعباء مالية ونفسية كبيرة للوصول إلى السجن وتوفير الاحتياجات الأساسية للمحتجزين، قبل أن تواجه إجراءات قد تحول الزيارة من حق إنساني إلى تجربة قاسية ومهينة.
ولا ينبغي التعامل مع أسر السجناء باعتبارها طرفا في القضية أو خاضعة للعقاب، إذ لا يجوز تحميل الزوجات أو الأمهات أو الأبناء تبعات احتجاز أقاربهم. كما أن الحفاظ على الزيارات بصورة منتظمة وإنسانية يمثل عاملا أساسيا في حماية الصحة النفسية للمحتجز، ويحد من آثار العزلة، ويساعد على استقراره وإعادة دمجه في المجتمع بعد انتهاء فترة احتجازه.
وطالب مركز الشهاب بفتح تحقيق مستقل ومحايد في جميع ادعاءات سوء المعاملة والإهمال الطبي داخل سجن المنيا، مع إعلان نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت صحتها. كما دعا إلى إنهاء التكدس، وتحسين التهوية والنظافة والتريض، وضمان الحصول على الأدوية والفحوص اللازمة، والسماح بممارسة الشعائر الدينية والاحتفاظ بالكتب والمواد الثقافية.
وأكد المركز ضرورة مواءمة أوضاع السجن مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة بقواعد نيلسون مانديلا، والتي تشدد على احترام كرامة المحتجزين، وتوفير الرعاية الطبية لهم دون تمييز، وحمايتهم من المعاملة القاسية أو المهينة.
وفي ظل استمرار ورود هذه الشكاوى، تبقى المسؤولية على عاتق الجهات المختصة للتحرك العاجل، وعدم الاكتفاء بنفي عام أو تحقيقات داخلية مغلقة. فاختبار جدية الدولة في حماية حقوق الإنسان يبدأ من الأماكن المغلقة التي لا تصل إليها الكاميرات، ومن ضمان ألا يتحول السجن إلى مساحة خارج القانون، وألا يصبح المرض أو الحرمان من العلاج عقوبة إضافية لم يصدر بها أي حكم قضائي.

