يقول د. يوسف القرضاوي في كتاب فقه الأولويات إن من أهم المعايير التي ينبغي للمسلم أن يرجع إليها في معرفة ما هو أحق بالعناية والتقديم، أن ينظر إلى مقدار عناية القرآن الكريم به؛ فما اهتم به القرآن اهتمامًا عظيمًا، وكرره في سوره وآياته، وأكده بالأمر والنهي، وربطه بالوعد والوعيد، وجب أن يحتل مكانته اللائقة في تفكير المسلم وسلوكه، وفي تقويمه للأعمال والأشخاص والقضايا.
فالقرآن الكريم هو عمدة الملة، وأصل الدين، وينبوع الهداية، وقد وضع للمسلمين ميزانًا دقيقًا للأولويات، يقدّم الأصول الكبرى التي يقوم عليها الإيمان والحياة، ويمنح كل قضية من الاهتمام بقدر ما منحها الوحي، بعيدًا عن المبالغة في الجزئيات أو الانشغال بالفروع على حساب المقاصد والأسس الكلية.
الإيمان بالله واليوم الآخر في مقدمة الأولويات
في مقدمة القضايا التي عني بها القرآن الكريم: الإيمان بالله تعالى، والإيمان برسالاته التي أرسل بها أنبياءه ورسله، والإيمان بالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب، وثواب وعقاب، وجنة ونار.
وقد تكررت هذه المعاني في القرآن تكرارًا واسعًا؛ لأنها الأساس الذي يقوم عليه تصور المسلم للحياة، وتنضبط به أعماله ومواقفه، ويستقيم به سلوكه في السر والعلن. فكلما رسخ الإيمان بالله واليوم الآخر في القلب، ازدادت مراقبة العبد لربه، واستعد للقاء الله، ولم يجعل الدنيا غاية أمله ومنتهى قصده.
العبادات الظاهرة وأعمال القلوب
ومن الأولويات التي اعتنى بها القرآن أصول العبادات والشعائر الكبرى، مثل إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام.
ولا تقف العبادة عند الشعائر الظاهرة وحدها، بل تشمل كذلك ذكر الله تعالى، وتسبيحه، وتحميده، واستغفاره، والتوبة إليه، والتوكل عليه، والرجاء في رحمته، والخشية من عذابه، وشكر نعمائه، والصبر على بلائه.
وهذه العبادات القلبية الباطنة والمقامات الربانية العالية هي روح الطاعة وحقيقتها؛ إذ لا ينفع ظاهر العمل إذا خلا من الإخلاص، ولا تكتمل عبودية الإنسان حتى يجمع بين صلاح الظاهر وصلاح الباطن، وبين عمل الجوارح وخشوع القلب.
مكارم الأخلاق من صميم الدين
كما جعل القرآن الكريم أصول الفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن الصفات من أعظم ما ينبغي أن يتربى عليه المسلم، ومن ذلك الصدق، والأمانة، والقصد والاعتدال، والعفاف، والحياء، والتواضع، والبذل، والسخاء.
ومن الأخلاق التي أكدها القرآن كذلك: التواضع واللين مع المؤمنين، والعزة أمام المعتدين على الدين والحق، والرحمة بالضعفاء، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الجار، ورعاية المسكين واليتيم وابن السبيل.
وهذه القيم ليست أمورًا ثانوية أو تكميلية، بل هي من صميم الرسالة الإسلامية؛ لأن صلاح المجتمع لا يتحقق بمجرد كثرة العبادات الظاهرة، ما لم يصحبها صدق وأمانة ورحمة وعدل وإحسان إلى الخلق.
إعطاء القضايا قدرها دون مبالغة
ومن فقه الأولويات أن يمنح المسلم كل قضية من الاهتمام بقدر ما أعطاها القرآن، فلا يرفع المسائل الجزئية فوق منزلتها، ولا يجعلها محور الدين كله، ولا يقدمها على ما هو أوجب وأعظم.
فما اهتم به القرآن اهتمامًا محدودًا، ينبغي أن يُعطى القدر نفسه من الاهتمام دون مبالغة أو تضخيم. ومن الأمثلة على ذلك حادثة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرها القرآن في آية واحدة، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
أما بعض الغزوات والأحداث الكبرى، فقد تناولها القرآن في سور كاملة أو في مقاطع طويلة؛ لما اشتملت عليه من أحكام ودروس تربوية وتشريعية يحتاج إليها المسلمون في حياتهم.
مولد النبي ومحبة الرسول
أما مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يرد في القرآن أمر باتخاذه موسمًا تعبديًا، ولم يرتبط بعبادة واجبة أو مستحبة منصوص عليها، كما لم يرد ذكر تفاصيل مولده على النحو الذي ورد به ذكر ميلاد عيسى عليه السلام وما صاحبه من آيات ومعجزات.
وهذا لا ينتقص من مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فهو سيد ولد آدم، ورسول الله وخاتم النبيين، ومحبته أصل من أصول الإيمان. ولكن المحبة الصادقة له تكون باتباع سنته، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، ونصرة رسالته، والتحلي بأخلاقه، لا بتقديم ما لم يقدمه القرآن والسنة أو جعله من أعظم شعائر الدين.
فميزان المحبة ليس كثرة المظاهر وحدها، وإنما صدق الاقتداء والاتباع، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
القرآن يهدي إلى أقوم المناهج
إن الرجوع إلى القرآن في ترتيب الأولويات معيار لا يضل من تمسك به؛ لأن القرآن هو أصل الدين، والسنة النبوية تأتي شارحة له ومبينة لأحكامه ومفصلة لمجمله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الإسراء: 9.
فالقرآن يهدي إلى أقوم العقائد، وأعدل الأحكام، وأفضل الأخلاق، وأرشد المناهج، ويضع الإنسان على الطريق المستقيم في علاقته بربه، وفي علاقته بنفسه، وفي معاملته للناس.
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ المائدة: 15-16.
فالقرآن نور يكشف ظلمات الجهل والهوى، ويهدي إلى سبل السلام، ويخرج الناس من ظلمات الشرك والظلم والانحراف إلى نور الإيمان والعدل والاستقامة.
القرآن تبيان لأصول الهداية
وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ النحل: 89.
والمقصود أن القرآن بيّن الأصول الكبرى التي لا بد منها ليقوم الدين وتستقيم الحياة على أساس مكين، فما من أصل كلي تحتاج إليه حياة المسلمين إلا وله من القرآن دليل أو توجيه، إما بنص مباشر، وإما باستنباط صحيح من قواعده ومقاصده العامة.
ولا يعني ذلك أن القرآن كتاب لتفاصيل الصناعات والعلوم والتجارب الدنيوية، وإنما هو كتاب هداية وتشريع، وضع الأصول والمبادئ والقيم التي تقود الإنسان إلى الخير، وفتح له باب الاجتهاد في شؤون الحياة في ضوء تلك الأصول.
السنة النبوية بيان للقرآن
إن جعل القرآن أصلًا للأولويات لا يعني إهمال السنة النبوية؛ فالسنة وحي وبيان، وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي التي شرحت كيفية الصلاة والزكاة والصيام والحج، وبيّنت أحكامًا كثيرة جاءت في القرآن مجملة.
لكن السنة الصحيحة لا تعارض القرآن، بل تفسره وتفصله وتبين مراد الله تعالى منه، ولذلك لا يصح أن يوضع الكتاب والسنة في مواجهة بعضهما، بل القرآن أصل، والسنة بيان وتطبيق وشرح له.
أثر أبي بكر وفهم القرآن
وقد نُسب إلى الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه قوله: «لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله».
وهذه العبارة ليست حديثًا نبويًا، ولا تثبت فيما اشتهر من كتب السنة باعتبارها قولًا صحيح الإسناد عن أبي بكر رضي الله عنه، كما تُروى عبارات قريبة منها عن بعض السلف. ومعناها المقبول أن القرآن يضع الأصول والموازين العامة التي تهدي المسلم في شؤون حياته، لا أن كل جزئية دنيوية مذكورة فيه باسمها وتفصيلها.
واجب المسلم تجاه أولويات القرآن
ينبغي للمسلم أن يعيد ترتيب اهتماماته على ضوء القرآن، فيقدم التوحيد والإيمان، والفرائض والعبادات، وتزكية النفس، ومكارم الأخلاق، والعدل والرحمة، ورعاية حقوق الناس، على القضايا الهامشية والخلافات الجزئية.
كما ينبغي للدعاة والمربين ووسائل التعليم والإعلام أن يهتموا بما اهتم به القرآن، وأن يحذروا من تضخيم مسائل صغيرة حتى تطغى على أصول الدين، أو إشغال الناس بالجدل فيما لا يترتب عليه عمل، بينما تضيع الفرائض وتُنتهك الأخلاق وتُهمل حقوق الضعفاء.
فالقرآن هو ميزان الهدى، ومن أحسن تدبره عرف مراتب الأعمال، وميّز بين الأصول والفروع، وأعطى كل أمر حقه، وسار في دعوته وحياته على بصيرة، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

