لم يعد وصول رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد إلى مطار العلمين لقضاء أيام من إجازته السنوية في الساحل الشمالي حدثًا بروتوكوليًا أو سياحيًا عابرًا، خصوصًا بعدما استقبله قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بنفسه، مؤكدًا أن الشيخ محمد ودولة الإمارات لهما «مكانة خاصة لدى مصر وشعبها». فالرئيس الإماراتي يصل اليوم إلى منطقة أصبحت بلاده صاحبة أكبر استثمار ونفوذ اقتصادي فيها، بعد حصول صندوق أبوظبي السيادي على حقوق تطوير رأس الحكمة، وامتداد الاستثمارات الإماراتية إلى الأراضي والعقارات والشركات والموانئ والقطاعات الأكثر ربحًا في مصر.
ويطرح المشهد سؤالًا سياسيًا لا يتعلق بانتقال السيادة القانونية على الساحل إلى الإمارات، فهي أرض مصرية بلا جدال، وإنما بحجم النفوذ الذي منحته حكومة السيسي لأبوظبي، وهل بات محمد بن زايد يتعامل مع الساحل باعتباره مجالًا اقتصاديًا واستثماريًا تابعًا لدولته، أو امتدادًا غير رسمي لنفوذها، بعد أن أصبحت مؤسسات إماراتية صاحبة القرار الأثقل في تطوير مساحات شاسعة من أجمل وأغلى الأراضي المصرية.
ولا يمكن فصل الإجازة السنوية في الساحل عن التاريخ السياسي للعلاقة بين الرجلين، ولا عن مليارات الدولارات التي قدمتها الإمارات عقب إطاحة الجيش بالرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو 2013، ثم تحولت لاحقًا من مساعدات وودائع إلى حصص في الشركات المصرية وحقوق تطوير الأراضي. ومن هنا تبدو زيارة العلمين صورة مكثفة لمسار كامل، بدأ بتمويل سلطة السيسي وانتهى بتحويل الأزمة الاقتصادية والديون إلى فرص استحواذ إماراتية غير مسبوقة.
من تمويل الانقلاب إلى حماية النظام
كانت الإمارات من أولى الدول التي دعمت السلطة الجديدة عقب انقلاب 3 يوليو 2013، إذ أعلنت بعد أيام حزمة بقيمة 3 مليارات دولار، شملت منحة بمليار دولار وقرضًا بلا فوائد بقيمة ملياري دولار. وجاء الدعم الإماراتي ضمن مساعدات خليجية بلغت نحو 12 مليار دولار، قدمتها أبوظبي والرياض والكويت للحكومة المدعومة من الجيش، في وقت كانت فيه مصر تعاني نقصًا حادًا في النقد الأجنبي والطاقة.
ولم يكن التمويل منفصلًا عن الموقف السياسي، فقد رأت أبوظبي في سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين انتصارًا لمشروعها الإقليمي الرافض لصعود الإسلام السياسي، واعتبرت نظام السيسي حاجزًا يحمي المنطقة من عودة الثورات العربية. وتصف رويترز الإمارات بأنها أهم داعم مالي للقاهرة منذ أن قاد السيسي الإطاحة بحكومة مرسي عام 2013.
وقد اعترف السيسي نفسه بأهمية هذا الدعم، حين تحدث في مناسبات سابقة عن وقوف محمد بن زايد إلى جوار النظام عقب 2013. ولم تقتصر المساندة على الأموال، بل امتدت إلى الدعم السياسي والدبلوماسي، في وقت كانت السلطات المصرية تواجه إدانات دولية بسبب فض اعتصامي رابعة والنهضة، والاعتقالات والمحاكمات الجماعية وقمع القوى السياسية.
ويرى وطنيون ومراقبون أن أبوظبي لم تكن ممولًا محايدًا للاقتصاد المصري، بل شريكًا في تأسيس وترسيخ النظام الذي نشأ بعد الانقلاب. فالأموال الخليجية منحت السيسي الوقت والموارد اللازمة لتثبيت سلطته، بينما ربطت الاقتصاد المصري تدريجيًا بشبكة دعم خارجية جعلت القاهرة أقل قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عندما تحولت المنح إلى ديون واستثمارات مشروطة.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، تغيرت طبيعة العلاقة. فلم تعد الإمارات مستعدة لتقديم مليارات بلا مقابل كما حدث بعد 2013، بل بدأت تبحث عن عوائد وأصول وحصص في الشركات المصرية. وهكذا انتقلت العلاقة من مرحلة تمويل الانقلاب وحماية النظام إلى مرحلة الحصول على مقابل اقتصادي طويل الأجل لكل ضخ جديد للأموال.
الأصول المصرية مقابل الدولارات
في أبريل 2022، اشترى صندوق أبوظبي السيادي حصصًا بقيمة 1.85 مليار دولار في خمس شركات مصرية مدرجة بالبورصة، شملت البنك التجاري الدولي، وفوري، وأبو قير للأسمدة، ومصر لإنتاج الأسمدة، والإسكندرية لتداول الحاويات. وجاءت الصفقة في لحظة كانت مصر تعاني خروج الأموال الأجنبية ونقصًا متزايدًا في الدولار.
وتوسعت الاستحواذات الإماراتية لاحقًا في قطاعات البتروكيماويات والحفر، إذ حصل صندوق أبوظبي على حصص في شركات مصرية حكومية، بينها شركة إيثيدكو وإيلاب والشركة المصرية للحفر. وتكشف هذه المشتريات أن المستثمر الإماراتي لم يتجه إلى شركات خاسرة تحتاج إنقاذًا، بل إلى مؤسسات رابحة تعمل في قطاعات استراتيجية وتدر عملات أجنبية.
وتصف حكومة السيسي هذا المسار بأنه تنفيذ لبرنامج الطروحات وجذب للاستثمار الأجنبي، بينما يرى خبراء أن القاهرة باعت حصصًا في شركات ناجحة تحت ضغط الحاجة العاجلة إلى الدولار، وفي ظل انخفاض قيمة الجنيه، بما جعل الأصول المصرية أرخص للمشترين الأجانب.
وازداد هذا التوجه مع اشتراط صندوق النقد الدولي تقليص دور الدولة وبيع حصص من الشركات العامة ضمن برنامج القرض الموسع البالغ 8 مليارات دولار. وأصبحت الحكومة تستخدم حصيلة البيع لتوفير النقد الأجنبي وسداد الالتزامات، بدلًا من معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالاقتراض المفرط وضعف الإنتاج والصادرات.
ويحذر وطنيون من أن تحويل الأصول إلى سيولة مؤقتة لا يمثل استثمارًا مستدامًا، لأن الدولة تتنازل عن حصص في شركات تحقق أرباحًا سنوية مقابل دولارات تُستهلك في خدمة الديون والواردات. وبعد نفاد الأموال، تبقى الأصول في يد المستثمر الأجنبي، بينما تعود الأزمة نفسها بصورة أشد.
رأس الحكمة وإمارات الساحل
بلغ النفوذ الإماراتي ذروته مع صفقة رأس الحكمة البالغة قيمتها المعلنة 35 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخ مصر. وبموجب الاتفاق، حصل صندوق أبوظبي السيادي على حقوق تطوير المنطقة مقابل 24 مليار دولار، بينما تحولت 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي إلى استثمارات داخل مصر، واحتفظت الحكومة المصرية بحصة 35% في المشروع.
وتمتد رأس الحكمة على نحو 40 ألف فدان من الساحل الشمالي، أي مساحة تكفي لإقامة مدينة كاملة تضم أحياء سكنية ومنتجعات ومطارًا ومراسي ومناطق تجارية ومالية. ولم تشتر الإمارات قطعة أرض لإقامة فندق، بل حصلت مؤسساتها على حق رسم المستقبل العمراني والاقتصادي لمساحة استراتيجية من الساحل المصري.
ولهذا تأخذ إجازة محمد بن زايد في الساحل معنى سياسيًا مختلفًا. فهو لا يصل فقط إلى وجهة سياحية مصرية، بل إلى منطقة باتت بلاده صاحبة المشروع الأكبر والأكثر نفوذًا فيها. ولا يعني ذلك أن الأرض أصبحت إماراتية قانونًا، لكنه يفسر السؤال الذي يطرحه مراقبون بشأن شعور أبوظبي بأن الساحل تحول إلى مجال خاص لنفوذها واستثماراتها.
كما أن الصفقة لم تكن كلها أموالًا جديدة، لأن 11 مليار دولار منها كانت ودائع إماراتية قائمة جرى تحويلها إلى استثمارات. وبذلك تحولت ديون والتزامات مصرية إلى حقوق اقتصادية وأصول ومشروعات، في نموذج يصفه خبراء بأنه مبادلة غير مباشرة بين الديون وبين النفوذ داخل الأرض المصرية.
وقد منحت أموال رأس الحكمة نظام السيسي طوق نجاة من أزمة الدولار، ومهدت لتعويم جديد للجنيه وتوسيع اتفاق صندوق النقد، لكنها لم تعالج أسباب الانهيار. وبدلًا من وقف الاقتراض والمشروعات المكلفة، باع النظام حق تطوير واحدة من أثمن المناطق المصرية للحصول على سيولة مؤقتة. وأشارت تقارير دولية إلى أن مصر، المثقلة بديون تجاوزت 160 مليار دولار، لجأت إلى بيع الأراضي والبنية الأساسية لدول الخليج تحت ضغط الأزمة.
وفي ضوء ذلك، لا يعود استقبال السيسي لمحمد بن زايد في العلمين مجرد تعبير عن صداقة شخصية. إنه استقبال للشخص الذي ساعد نظامه على البقاء بعد انقلاب 2013، ثم تحولت أموال بلاده إلى حصص في الاقتصاد المصري، وانتهت بأكبر صفقة على الساحل الشمالي.
يبقى محمد بن زايد ضيفًا على أرض مصرية، لكن المشهد يكشف خللًا واضحًا في ميزان العلاقة، إذ يملك الجانب الإماراتي المال وحقوق التطوير والنفوذ، بينما يخضع نظام السيسي للديون والحاجة المستمرة إلى الإنقاذ. وبين عبارة «المكانة الخاصة» وواقع بيع الأصول، يخشى وطنيون أن تتحول مصر من دولة تستقبل الاستثمارات بشروطها، إلى بلد يعرض أفضل أراضيه وشركاته مقابل تأجيل الإفلاس عامًا بعد عام.

