تناول الكاتب جويل ساليناس أهمية النسيان بوصفه عملية بيولوجية أساسية لا تقل أهمية عن التذكر، موضحاً أن الدماغ لا يحتفظ بكل ما يمر به الإنسان، بل يعيد باستمرار تنظيم الذكريات بما يساعد على التكيف مع الحياة واتخاذ قرارات أكثر كفاءة. ويرى أن النسيان لا يعكس ضعف الذاكرة، بل يمثل آلية طبيعية تمنح الدماغ القدرة على التخلص من المعلومات غير الضرورية، بما يدعم الصحة النفسية والمرونة السلوكية.

 

وأوضح موقع سايكولوجي توداي أن الدراسات العلمية حول الذاكرة تجاوزت مئات الآلاف من الأبحاث، في حين لا تزال أبحاث النسيان محدودة نسبياً، رغم أن فهم آلياته يكتسب أهمية متزايدة في علم الأعصاب. ويشير التقرير إلى أن الذاكرة ليست تسجيلاً حرفياً للأحداث، وإنما عملية إعادة بناء مستمرة تعيد تشكيل الخبرات وفقاً لما يراه الدماغ أكثر أهمية.

 

النسيان يعزز التكيف ويخفف الأعباء النفسية

 

يرى التقرير أن الاحتفاظ بكل تفاصيل الحياة اليومية سيشكل عبئاً كبيراً على الدماغ، لذلك يعمل على ضغط المعلومات واختصارها والتخلص من غير المهم منها. ويشبه الكاتب هذه العملية بتنظيم المنزل والتخلص من الأشياء غير الضرورية، إذ يمنح ذلك مساحة أكبر لما يستحق الاحتفاظ به.

 

ويضيف أن بعض الاضطرابات النفسية، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، ترتبط بعجز الدماغ عن التخلص من الذكريات المؤلمة، وهو ما يؤدي إلى استمرار الأفكار المزعجة واستعادة الأحداث المؤلمة بصورة متكررة. ولهذا تركز مدارس علاجية عديدة، من الفلسفات الشرقية إلى العلاج النفسي الحديث، على مساعدة الإنسان في تقليل تأثير الذكريات التي لم تعد تخدم حياته.

 

الانتباه والعاطفة يصنعان الذكريات

 

يوضح التقرير أن جزءاً محدوداً فقط من التجارب اليومية يتحول إلى ذكريات دائمة، لأن الدماغ يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية هي الانتباه والتكرار والعاطفة. فعندما يركز الإنسان انتباهه على معلومة ويكررها، تزداد فرص تخزينها لفترة أطول، بينما تتلاشى الذكريات التي لا يعيد استخدامها مع مرور الوقت.

 

ويلعب الجانب العاطفي دوراً محورياً في ترسيخ الذكريات، إذ ترتبط منطقة الحُصين المسؤولة عن تكوين الذكريات ارتباطاً وثيقاً باللوزة الدماغية التي تعالج المشاعر. لذلك يسهل تذكر الأحداث المرتبطة بالخوف أو الفرح أو الصدمة مقارنة بالتفاصيل اليومية العادية.

 

ويستشهد التقرير بدراسة على مرضى ألزهايمر أظهرت أنهم لم يتمكنوا من تذكر أحداث فيلم شاهدوه، لكن المشاعر التي أثارها الفيلم استمرت لديهم، ما يؤكد أن الأثر العاطفي قد يبقى حتى مع تراجع القدرة على استرجاع تفاصيل الحدث نفسه.

 

علم الأعصاب يكشف آليات النسيان

 

يشير التقرير إلى أن النظرة التقليدية كانت تعتبر النسيان نتيجة طبيعية لمرور الزمن، إلا أن أبحاثاً حديثة كشفت وجود عملية بيولوجية نشطة يعمل خلالها الدماغ على إزالة بعض الذكريات وإعادة تنظيم الشبكات العصبية باستمرار.

 

ويبين أن الخلايا العصبية المسؤولة عن تخزين الذكريات تخضع لعمليات تحديث مستمرة، بينما يسهم النوم المنتظم، والنشاط البدني، وخوض تجارب جديدة، وحتى تكوين خلايا عصبية جديدة، في إعادة ترتيب الذاكرة وإفساح المجال أمام معلومات أكثر أهمية.

 

ويضيف أن بعض الدراسات تربط اضطرابات مثل القلق، واضطراب الوسواس القهري، والإدمان، واضطراب ما بعد الصدمة، بخلل في آليات النسيان النشط، ما يفسر استمرار الذكريات والأفكار المزعجة لدى المصابين بها.

 

ويختتم التقرير بالتأكيد على أن الإنسان لا يستطيع أن يأمر نفسه بالنسيان، لكنه يستطيع توجيه انتباهه نحو ما يريد الاحتفاظ به، والتخلي تدريجياً عن الضغائن والصراعات المتكررة، مع الحفاظ على النوم الجيد وممارسة الرياضة وخوض تجارب جديدة. ويخلص الكاتب إلى أن النسيان ليس علامة على الفشل، بل قد يكون وسيلة للتعافي، إذ لا يصنع الإنسان ما يتذكره فقط، بل يصنعه أيضاً ما يختار دماغه أن يتركه وراءه.

 

www.psychologytoday.com/us/blog/breaking-good/202606/the-secret-power-of-forgetting