بقلم/ دكتور عبد الله سيف

بينما يعيش العالم على وقع تقلبات المشهد الجيوسياسي، تتجه الأنظار مجدداً نحو البيت الأبيض، حيث يعيد دونالد ترامب صياغة قواعد اللعبة الدولية وفق عقيدته المفضلة: البراغماتية التجارية التي لا تؤمن بالتحالفات الأبدية بل بالصفقات المربحة. ولم تكن المبادرات الأخيرة ومساعي التهدئة، التي بلغت ذروتها في توقيع "مذكرة إسلام آباد"، سوى إعلان رسمي عن دخولنا حقبة جديدة بالكامل؛ حقبة قد تُفضي في نهاية المطاف إلى ما يُعرف بـ "الصفقة الكبرى"  بين واشنطن وطهران، وهو سيناريو يبدو اضطرارياً للطرفين رغم كل سحب الدخان وتهديدات التصعيد العسكري المتبادلة.

 إن المعادلة التي تحكم هذا التقارب المفترض واضحة وبسيطة في جوهرها، وإن بدت معقدة في تفاصيلها: "النووي مقابل الاقتصاد والأمن السلوكي". على رقعة الشطرنج هذه، يرفع ترامب سقف مطالبه التفاوضية إلى حدها الأقصى؛ فهو يريد تفكيكاً حقيقياً للقدرات النووية الإيرانية يتجاوز اتفاق 2015، مصحوباً بقيود صارمة على مدى الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي باتت تؤرق حلفاء واشنطن. والأهم من ذلك، يضغط البيت الأبيض لتقليم أظافر طهران الإقليمية ووقف تمويل وكلائها في اليمن والعراق ولبنان لتأمين الممرات المائية الحيوية.

في المقابل، تلعب طهران أوراقها بروح "حائك السجاد الإيراني"؛ فالحصار الاقتصادي الخانق وضع النظام أمام تحديات وجودية تهدد استقراره الداخلي. ومن هنا، تبدو رغبة طهران جامحة في رفع العقوبات والعودة إلى النظام المالي العالمي وتصدير نفطها بحرية. لكن طهران لن تقدم هذه التنازلات مجاناً؛ إذ تشترط الحصول على ضمانات أمنية أمريكية تحمي شرعية النظام من أي محاولات إسقاط خارجي، مع الإبقاء على دور إقليمي معترف به، يتحول فيه نفوذها العسكري الصاخب إلى نفوذ سياسي هادئ ومشرعن في عواصم المنطقة.

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لا تبدو هذه الصفقة مجرد حدث عابر، بل هي تحول زلزالي يحمل في طياته فرصاً واعدة وتهديدات مستترة في آن واحد.

"الخوف الأكبر لدى العواصم الخليجية ليس في وقوع الحرب، بل في إبرام سلام ثنائي يُصاغ فوق رؤوسهم على طريقة 'سايكس بيكو جديدة'، يحل المشكلة النووية لواشنطن ويترك جيران إيران في مواجهة نفوذها المشرعن."

من زاوية متفائلة، قد يحمل هذا الاتفاق رياحاً لتهدئة الجبهات المشتعلة؛ فنجاح الصفقة يعني تلقائياً تبريد ساحات الاستنزاف في اليمن والعراق، وتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. هذا الاستقرار من شأنه أن يوفر بيئة أمنية مثالية لدول الخليج (وفي مقدمتها السعودية والإمارات) لمواصلة مشاريعها التنموية العملاقة ورؤاها الاقتصادية الطموحة بعيداً عن كوابيس الطائرات المسيرة والصواريخ العابرة للحدود. بل إن إيران "المهدأة" قد تتحول على المدى الطويل إلى سوق إقليمي واعد يفتح الباب أمام استثمارات وتفاهمات تجارية متبادلة.

لكن الوجه الآخر للعملة يبدو قاتماً؛ إذ تخشى العواصم الخليجية من أن يؤدي رفع العقوبات إلى تدفق مئات المليارات من الدولارات إلى الخزائن الإيرانية، مما يمنح النظام قدرة مالية هائلة على تغذية شبكات نفوذه الناعم وأجهزته الاستخباراتية بطرق غير مرئية يصعب تتبعها. والأخطر من ذلك هو الشرخ المستمر في جدار الثقة بين الخليج وواشنطن؛ فالصفقة ستقدم دليلاً إضافياً على أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد شريكاً يعتمد عليه بالمطلق، وأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة مستعدة للتضحية بمصالح حلفائها التقليديين في سبيل إنجاز انتصار سياسي تكتيكي.

أمام هذا المشهد الهلامي، يبدو واضحاً أن الخليج لم يعد ينتظر ما ستؤول إليه خطط واشنطن وطهران، بل بدأ بالفعل في صياغة استراتيجيته الخاصة القائمة على "التحوط متعدد الأطراف".

ولم تعد العواصم الخليجية تضع بيضها كله في السلة الأمريكية؛ بل اتجهت لتعميق شراكاتها الاستراتيجية والاقتصادية مع بكين وموسكو، مدركة أن التنين الصيني – باعتباره المشتري الأكبر لنفط المنطقة – يملك أوراق ضغط حقيقية على طهران يمكن توظيفها لحفظ التوازن. توازياً مع ذلك، يتسارع التوجه الخليجي نحو الاعتماد الذاتي على الأمن والدفاع، عبر توطين الصناعات العسكرية المتقدمة، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي الدفاعي، وحيازة التكنولوجيا النووية السلمية كأداة ردع مستقبلية مشروعة.

ولعل التحول الأبرز يكمن في الدبلوماسية المباشرة؛ فالخليج بات يؤمن بمبدأ "تصفير المشاكل" وبناء قنوات اتصال مباشرة وصريحة مع طهران، بهدف صياغة شبكة أمان إقليمية ذاتية الصنع، تكون بمنأى عن تقلبات مزاج الناخب الأمريكي أو حسابات سيد البيت الأبيض.

 في نهاية المطاف، يخبرنا الاستشراف السياسي لعقد القادم (2026–2036) بأن الأمن في منطقة الخليج العربي لم يعد بضاعة مستوردة يمكن شراؤها بضمانات ورقية من وراء البحار. إن حقبة ترامب الثانية، سواء أفضت إلى "صفقة كبرى" أو استمرت في حالة الفوضى المنضبطة، وضعت المنطقة أمام حقيقة وجودية واحدة: القوة الحقيقية تنبع من الداخل. ونجاح دول الخليج في عبور هذا المنعطف التاريخي مرهون بقدرتها على التحول الكامل إلى "لاعب استراتيجي" يعيد صياغة معادلات المنطقة بناءً على مصالحه الذاتية وقدراته الاقتصادية والدفاعية المستقلة.