حلقة جديدة في أزمات شركة "عمر أفندي" إحدى شركات قطاع الأعمال، بتوقف بطاقات التأمين الصحي لأكثر من 1300 عامل بجميع فروع "عمر أفندي"، وذلك على خلفية مديونية مُقدرة بنحو 365 مليون جنيه، وهو ما أثار غضب العاملين بالشركة مطالبين الحكومة بالتدخل العاجل للمطالبة بإعادة الخدمة وحماية حقوقهم الدستورية في العلاج.

 

وأكد العاملين أن توقف التأمين الصحي يعد أزمة خانقة واضافة أعباء جديدة على كاهل الموظفين، مؤكدين أن خدمات الرعاية الطبية انقطعت بالفعل في فروع الجيزة والغربية، مما اضطر العمال لتحمل تكاليف الكشف والعلاج على نفقتهم الخاصة.

 

وأشاروا إلى أن أزمة وقف بطاقات التأمين الصحي للعاملين بـ "عمر أفندي"، تتزامن مع معاناة الموظفين من ضعف الدخل الشهري الذي لا يصل إلى الحد الأدنى للأجور، مما يضاعف من أعبائهم الاقتصادية.

 

جدير بالذكر أن الأزمة الإدارية والمالية المتراكمة ترجع إلى أزمات هيكلية للشركة منذ خصخصتها في عام 2005، ومطالبات مستمرة بحقوق العاملين المتأخرة

 

العلاج رهينة الديون

 

وتكشف الواقعة وجها قاسيا لسياسات حكومية تجعل العامل الحلقة الأضعف، بعدما تحولت مديونية شركة مملوكة للدولة إلى عقاب جماعي، بينما عجزت الجهات المسؤولة عن حماية حق موظفيها الدستوري في العلاج.

 

وأكد العاملون أن خدمات الرعاية الطبية انقطعت فعليا في فرعي الجيزة والغربية، ولم تعد البطاقات تتيح الكشف أو صرف العلاج، ما دفع المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة إلى البحث عن بدائل مكلفة تتجاوز دخولهم.

 

في المقابل، لا تصل الرواتب الشهرية للعاملين إلى الحد الأدنى للأجور، وهو ما يجعل إجبارهم على تمويل علاجهم بأنفسهم اقتطاعا قسريا من دخول هزيلة، وتهديدا مباشرا لصحة أسر تعتمد كليا عليهم.

 

ويزيد غياب بيان حكومي واضح من قسوة الأزمة، فلا العاملون يعرفون موعد إعادة تشغيل البطاقات، ولا الرأي العام تلقى كشفا بقيمة الاشتراكات المتأخرة أو المسؤولين عن تراكمها أو مصير المبالغ المستقطعة.

 

ومن منظور صحي، يرى الباحث محمود شلبي أن إدارة الرعاية العامة دون ضمانات واضحة للإتاحة والجودة والتكلفة تهدد الفئات الأقل دخلا، وهو ما يجعل أزمة عمر أفندي نموذجا لتحويل المرض إلى فاتورة عقابية.

 

وعلى المستوى الإنساني، لا يعني توقف البطاقة تعطيل إجراء ورقي فقط، بل قد يعني انقطاع دواء أو تأجيل فحص أو متابعة مرض مزمن، بما يضع حياة العامل وأسرته تحت رحمة قدرته المالية.

 

ومن زاوية دستورية، تلتزم الدولة بضمان الحق في الصحة والرعاية المتكاملة، ولذلك لا يمكن تبرير تعليق العلاج بسبب نزاع مالي بين الشركة والجهات التأمينية، لأن العامل لم يصنع المديونية ولا يملك تسويتها.

 

هكذا يتحول موظف خدم شركة عامة سنوات طويلة إلى ممول اضطراري لفشل إدارتها، بينما تتبادل الجهات الوصية المسؤولية، وكأن العلاج منحة حكومية قابلة للتجميد وليس حقا أصيلا لا يحتمل المساومة أو التأجيل.

 

خصخصة صنعت الانهيار

 

ترتبط الأزمة بمديونية تقدر بنحو 365 مليون جنيه، أبلغ العاملون بأنها سبب توقف البطاقات، لكن ضخامة الرقم تطرح أسئلة عن تاريخ تراكمه والجهات التي راقبته، ولماذا تأخر التدخل حتى انقطعت الخدمة.

 

وتفيد شهادات الموظفين بأن عبء المديونية لم يبق داخل دفاتر الشركة، بل انتقل مباشرة إليهم، فكل زيارة لطبيب وكل تحليل أو دواء أصبح نفقة شخصية، رغم استمرار علاقة العمل وقيام حقوقهم التأمينية.

 

غير أن تحميل العمال نتائج الالتزامات المتأخرة يقلب المسؤولية رأسا على عقب، فالإدارة التي أدارت الموارد والجهات الحكومية التي تابعت الحسابات تظل بعيدة عن الضرر، بينما يدفع الأقل دخلا ثمن قرارات لم يشارك فيها.

 

ويعيد الرقم فتح ملف الإدارة المالية للشركة، لأن مديونية بمئات الملايين لا تنشأ فجأة، بل تتراكم خلال سنوات من ضعف الرقابة وتأجيل التسويات، ما يستوجب نشر الحسابات وتحديد المسؤولين بدلا من تقديم وعود مؤقتة.

 

وفي قراءة اقتصادية، يرى الباحث إلهامي الميرغني أن اضطراب تبعية شركات القطاع العام والقيود وسوء الإدارة قد يصنع الخسارة بدلا من علاجها، وهو تشخيص يفسر كيف يدفع العمال ثمن إهدار الأصول العامة.

 

وفوق ذلك، تكشف أزمة التأمين أن إعادة الهيكلة التي لا تبدأ بحماية الأجور والعلاج تصبح اسما مخففا للتقشف على الموظفين، فيما تبقى ملفات الأصول والديون والقرارات الإدارية بعيدة عن الشفافية والمساءلة العامة.

 

وتاريخيا، تأسست عمر أفندي عام 1856 للعمل في تجارة التجزئة، وانتقلت ملكيتها إلى مستثمر مصري عام 1921، ثم أممت عام 1957، قبل إدخالها مسار الخصخصة عام 2005 وإعادتها لاحقا للدولة.

 

وبمرور السنوات، ظلت الشركة محاصرة بأزمات السيولة والحقوق المتأخرة وخطط الاستغلال غير المكتملة، ما يؤكد أن استرداد ملكيتها لم يصحبه إصلاح مؤسسي كاف أو نموذج تشغيل يضمن الاستدامة ويحمي الموظفين من الفشل.

 

وعمليا، يتطلب كشف المسؤولية مراجعة عقود التأمين والتحويلات الشهرية ومواعيد السداد، مع إعلان ما إذا كانت مبالغ خصمت من أجور العمال دون توريدها، وتحديد الجهة التي سمحت بتراكم الديون حتى انفجار الأزمة.

 

البرلمان يطرق باب الحكومة

 

وتقدم النائب إيهاب منصور بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري العمل والتضامن ورئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، مطالبا بإعادة البطاقات فورا وإنهاء حرمان 1300 موظف من العلاج بمختلف فروع الشركة.

 

وبموجب الطلب، شدد وكيل لجنة القوى العاملة على أن الموظفين لا يجوز أن يتحملوا مديونيات أو خلافات بين الجهات، مؤكدا أن العلاج حق دستوري وأن استمرار التوقف يضاعف معاناة أسر تعاني من ضعف الأجور.

 

كذلك طالب منصور بإجراءات تمنع تكرار الأزمة، وليس مجرد تشغيل مؤقت للبطاقات، لأن التسوية العاجلة ستظل هشة إذا لم تعالج الحكومة أصل المديونية ومسار السداد ومسؤولية الإدارات التي سمحت بتراكمها.

 

وفي تفسير للخلل، أوضح الدكتور وهبة زوام ممثل هيئة التأمين الصحي أن مصادر التمويل القديمة لا تكفي الخدمات وأجور الأطباء والأجهزة، ما يكشف أزمة أوسع تحتاج إصلاحا عاما دون معاقبة المؤمن عليهم.

 

وبناء على هذا الرأي، تبدو الواقعة نتيجة تداخل عجز الشركة مع أزمة تمويل المنظومة، لكن الاعتراف بضيق الموارد لا يمنح الحكومة حق تعليق العلاج، بل يفرض عليها تمويلا انتقاليا يحفظ الخدمة قبل تحصيل الديون.

 

ومع ذلك، يظل طلب الإحاطة أداة رقابية محدودة ما لم تحدد الحكومة موعدا ملزما لإعادة الخدمة، وتنشر خطة للسداد، وتعلن نتائج فحص إداري ومالي، وتتيح للعمال استرداد ما دفعوه خلال التوقف.

 

لذلك ينبغي أن يبدأ التدخل بإعادة تفعيل جميع البطاقات فورا، ثم سداد دفعة عاجلة من المديونية وجدولة المبلغ المتبقي، مع إنشاء آلية تمنع قطع العلاج مستقبلا بسبب تقصير الإدارة أو النزاع بين المؤسسات.

 

أما حماية العاملين فتقتضي أيضا تطبيق الحد الأدنى للأجور وتعويضهم عن فواتير الكشف والدواء وتمثيلهم في مناقشة خطة الإنقاذ، لأن الإصلاح الذي يتجاهل معيشتهم وصحتهم يعيد إنتاج الأزمة تحت مسميات إدارية جديدة.

 

وأخيرا، تمثل محنة عمر أفندي اختبارا للحكومة بين حماية شركة عامة وعمالها أو ترك المديونية تبتلع حقهم في العلاج، وأي تأخير سيعني تحصيل ثمن الفشل من أجساد الموظفين بدلا من المسؤولين.