تصاعدت حدة الجدل بشأن أعمال التطوير الجارية في حديقتي الأورمان والحيوان بمحافظة الجيزة، بعدما وجّه رئيس جمعية المهندسين المعماريين، سيف الله أبو النجا، انتقادات حادة للمشروع، مطالبًا بوقف جميع الأعمال فورًا، ومعتبرًا أن ما يجري يمثل تهديدًا مباشرًا للتراث النباتي والمعماري والتاريخي لإحدى أهم الحدائق المصرية.
وأكد أبو النجا أن الحديقتين لا تمثلان مجرد متنزهين عامين، بل تعدان جزءًا أصيلًا من الهوية الحضارية والبيئية لمصر، مشددًا على أن أي تدخل إنشائي يجب أن يخضع لضوابط الحفاظ على التراث، لا لمنطق الاستثمار أو التوسع العمراني.
مطالبة بوقف الأعمال وإعادة تقييم المشروع
وفي بيان نشره عبر حسابه على موقع "فيسبوك"، دعا رئيس جمعية المهندسين المعماريين الجهات الرقابية إلى التدخل العاجل، مطالبًا بالوقف الفوري لأعمال التطوير، وإعادة مراجعة المشروع بالكامل، مع عرض جميع المخططات على خبراء وطنيين متخصصين في الحفاظ على التراث العمراني والتنسيق الحضاري.
الجمعية: الوعود بالحفاظ على الحديقتين لم تُنفذ
وأوضحت الجمعية أن الجهات المشرفة على المشروع كانت قد تعهدت قبل بدء التنفيذ بعدم الإخلال بالنسق العمراني أو التصميم التاريخي للحديقتين، والحفاظ على الأشجار النادرة والتاريخية، وعدم إنشاء مبانٍ جديدة تؤثر على الطابع العام أو تمس الآثار المسجلة داخلهما.
لكن الجمعية أكدت أن الواقع الحالي يعكس مخالفة لهذه التعهدات، معتبرة أن الأعمال المنفذة تسببت في الإضرار بالقيم التراثية والبيئية والجمالية التي تتمتع بها الحديقتان.
لقاءات مع الجهة المنفذة وتحذيرات مبكرة
وكشف أبو النجا أن جمعية المهندسين المعماريين عقدت خلال العامين الماضيين عدة اجتماعات مع مسؤولي شركة الإنتاج الحربي للاستشارات الهندسية، بصفتها الجهة المسؤولة عن تنفيذ المشروع، لبحث تفاصيل المخطط ومناقشة آليات الحفاظ على الطبيعة التاريخية للحديقتين.
وأوضح أنهم ناقشوا المشروع بندًا بندًا، وقدموا ملاحظات فنية تستند إلى قانون الحفاظ على التنسيق الحضاري، مؤكدين ضرورة الالتزام بفلسفة إنشاء الحديقتين باعتبارهما من المواقع التراثية ذات القيمة الخاصة.
اعتراض على إنشاء كوبري بين الحديقتين
ومن بين أبرز التحفظات التي قدمتها الجمعية، رفض إنشاء كوبري يربط بين حديقتي الأورمان والحيوان، معتبرة أن المشروع يؤثر سلبًا على الممر الرئيسي المؤدي إلى جامعة القاهرة، كما طالبت بالحفاظ الكامل على المساحات الخضراء والأشجار النادرة التي تتميز بها الحديقتان.
وأشار أبو النجا إلى أن الجمعية أعدت دليلًا إرشاديًا يتضمن جميع الملاحظات الفنية الخاصة بالمشروع، وسلمته إلى الجهات المعنية قبل بدء التنفيذ.
انتقادات للاستشاري المنفذ للمشروع
وأوضح رئيس الجمعية أنهم التقوا أيضًا بالمهندس الاستشاري الماليزي المشرف على المشروع، وقال إنهم لمسوا في البداية تفهمًا لوجهة نظر المتخصصين، إلا أنه أشار إلى أن الاستشاري في النهاية يلتزم بتنفيذ التعليمات الصادرة إليه، وهو ما أدى – بحسب وصفه – إلى تجاهل كثير من الملاحظات الفنية التي سبق طرحها.
رد على نفي وزارة الزراعة
وجاءت تصريحات أبو النجا ردًا على بيانات سابقة لوزارة الزراعة نفت فيها ما تردد بشأن إزالة الأشجار التاريخية أو النخيل النادر داخل حديقة الأورمان، مؤكدة أن أعمال التطوير تقتصر على تحديث البنية التحتية دون إقامة منشآت دخيلة.
إلا أن أبو النجا رفض هذا الطرح، مؤكدًا أن ما يجري على أرض الواقع يختلف تمامًا، وقال إن أي شخص يمر بالمنطقة يستطيع مشاهدة الإنشاءات الخرسانية الجديدة والمباني التي يجري تنفيذها داخل الحديقتين.
اتهامات بإقامة مطاعم وكافيهات ومنشآت جديدة
واتهم رئيس جمعية المهندسين المعماريين القائمين على المشروع بإقامة مبانٍ جديدة مخصصة للمطاعم والكافيهات داخل الحديقتين، معتبرًا أن هذه المنشآت جاءت على حساب إزالة مساحات خضراء وأشجار تاريخية لتوسيع الرقعة المخصصة للبناء.
وأضاف أن المشروع لا يقتصر على الأنشطة التجارية فقط، بل يشمل أيضًا إنشاء وحدات إقامة "بنغالو" لاستضافة الزائرين داخل الحديقة، وهو ما اعتبره خروجًا عن الوظيفة الأساسية للحديقة التاريخية وتحويلها إلى مشروع استثماري.
"التطوير" تحول إلى "تخريب"
ويرى أبو النجا أن مفهوم "التطوير" في كثير من المشروعات التراثية أصبح يعني عمليًا إزالة المكونات الأصلية واستبدالها بعناصر جديدة، مؤكدًا أن المناطق التاريخية تحتاج إلى الحفاظ والصيانة والترميم، وليس إلى إعادة تشكيلها بما يفقدها شخصيتها الأصلية.
وأشار إلى أن الأشجار التاريخية والنادرة لا يمكن تقييمها بالقيمة المالية فقط، لأنها تمثل قيمة بيئية وتراثية وإنسانية تراكمت عبر عشرات السنين، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى فقدان مصر جزءًا مهمًا من هويتها العمرانية والبيئية.
وكشف رئيس الجمعية أن الخطوة المقبلة تتمثل في التواصل مع رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لبحث ما وصفه بالتجاوزات التي يشهدها المشروع، معربًا في الوقت نفسه عن تخوفه من عدم تحقيق هذه التحركات نتائج عملية توقف الأعمال الجارية.

