أثار التقارب الملحوظ بين مصر وتركيا ولا زال الكثير من التساؤلات حول أسبابه بعد سنوات من الجفاء في العلاقات بين البلدين، والذي برز بشكل واضح خلال الأسابيع الأخيرة في صورة اتفاقات ومناورات مشتركة.

 

لكن بعيدًا عن التقارب السياسي والعسكري، فإن العديد من الشركات التركية، بخاصة شركات الغزل والنسيج اتجهت إلى السوق المصري خلال السنوات الأخيرة، وهي ظاهرة استرعت اهتمام الكثير من المحللين في تركيا.

 

اتجاه الشركات التركية للاستثمار في مصر

 

وفقا لوكالة أنباء الصناعة (Sanayi Haber Ajansı - SHA) أصبحت مصر في السنوات الأخيرة، من بين الدول التي تجذب اهتمام الشركات التركية. فبعد أن اتسمت العلاقات بين البلدين بالتوترات السياسية، يشهدان الآن مرحلة تعاون اقتصادي قوي.

 

 واتجهت العديد من الشركات التركية، ولا سيما تلك العاملة في قطاعات الصناعة والنسيج والطاقة والبناء والخدمات اللوجستية إلى الاستثمار في مصر.

 

فلماذا تتجه الشركات التركية إلى مصر؟ وماذا تعني هذه الاستثمارات لتركيا؟ وما هو الوضع المتوقع في السنوات القادمة؟

 

إن الإجابة على هذه الأسئلة لا تكمن في مصر فحسب، بل تكمن أيضًا في التغيرات الكبيرة التي يشهدها الاقتصاد العالمي. إذ لم تعد الشركات اليوم تنظر فقط إلى مكان تصنيع منتجاتها، بل أيضًا إلى الأسواق التي يسهل عليها الوصول إليها. ففي عصر يتزايد فيه التنافس العالمي، تجذب الدول التي توفر ميزة تنافسية من حيث التكلفة المزيد من الاستثمارات.

 

وهنا تحديدًا تبرز أهمية مصر. إذ يبلغ عدد سكانها حوالي 115 مليون نسمة، ما يمنحها سوقًا محلية ضخمة، ويشكل جسرًا تجاريًا هامًا بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. كما أن موقعها على أحد أهم طرق التجارة البحرية في العالم، بفضل قناة السويس، يوفر ميزة كبيرة للمستثمرين.

 

وتُعدّ المنسوجات والملابس الجاهزة من أهم القطاعات التي تجذب اهتمام الشركات التركية. وعلى الرغم من أن تركيا تُعتبر من أبرز المنتجين في هذا المجال على مستوى العالم، إلا أنها تسعى في السنوات الأخيرة إلى إنشاء قواعد إنتاج جديدة، نظرًا لارتفاع تكاليف العمالة والمنافسة العالمية.

 

وتجذب مصر، بتكاليف العمالة المواتية والمناطق الصناعية المنظمة الواسعة النطاق وحوافز التصدير، انتباه المستثمرين في قطاع النسيج.

 

كما أن إمكانية إرسال المنتجات المصنعة هنا إلى أسواق الولايات المتحدة والأسواق الأوروبية بشروط أكثر فائدة في إطار اتفاقيات تجارية معينة تخلق أيضًا فرصة كبيرة للشركات التركية.

 

من القطاعات الأخرى التي اتجهت إلى مصر قطاع الأجهزة المنزلية والإلكترونيات. وبدلاً من التصدير حصرًا من تركيا، تتجه العلامات التجارية التركية حاليًا إلى التصنيع في مناطق أقرب إلى أسواقها المستهدفة، مما  يقلل من تكاليف الخدمات اللوجستية ويختصر أوقات التسليم.

 

كما أبدت الشركات العاملة في قطاع البناء اهتمامًا بمصر. وترغب الشركات التركية المنتجة للأسمنت والسيراميك ومنتجات الحديد والصلب والزجاج والمواد الكيميائية المستخدمة في البناء في الاستفادة من السوق المحلية المتنامية في مصر وفرصة التوسع في الدول الأفريقية.

 

ويُعد قطاع الأثاث أيضًا من بين القطاعات التي تجذب الاستثمار. وتهدف شركات تصنيع الأثاث الرائدة في تركيا إلى الوصول إلى الدول الأفريقية ودول الخليج بسهولة أكبر من خلال مرافق الإنتاج التي ستنشئها في مصر.

 

تُعد صناعة الأغذية أيضًا من أهم مجالات الاستثمار. ويقوم مصنعو المكرونة والدقيق والبسكويت والحلويات والمشروبات والأطعمة المعلبة بإعداد خطط استثمارية في مصر لتلبية الطلب الناتج عن النمو السكاني المتزايد وللتصدير إلى دول المنطقة.

 

كما تحظى صناعات الكيماويات والبلاستيك باهتمام المستثمرين، حيث تجذب بيئة الاستثمار في مصر لإنتاج منتجات التعبئة والتغليف والمواد الخام البلاستيكية والمنتجات الكيميائية المختلفة اهتمامُا متزايدًا.

 

يبرز قطاع الطاقة كواحد من أهم مجالات الاستثمار في المستقبل. من المتوقع أن تلعب الشركات التركية دورًا أكثر فاعلية، لا سيما في استثمارات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبنية التحتية للكهرباء. ويُسهم تركيز مصر على الطاقة المتجددة في خلق فرص جديدة للشركات العاملة في هذا المجال.

 

يشهد قطاع الخدمات اللوجستية نموًا متسارعًا أيضًا. من المتوقع أن تُطوّر الشركات التركية مشاريع جديدة في مراكز التخزين، وخدمات الموانئ، والنقل، وشبكات التوزيع. وذلك لأن النقل السريع والفعّال من حيث التكلفة للمنتجات لا يقل أهمية عن الإنتاج نفسه في تعزيز القدرة التنافسية.

 

ما الأسباب الرئيسة التي تدفع الشركات للاستثمار في مصر؟

 

  • السبب الأول: ميزة التكلفة.

    انخفاض تكاليف العمالة مقارنة بتركيا يسرع من قرارات الاستثمار.


     
  • السبب الثاني: العدد الكبير للسكان.

    بفضل قاعدة المستهلكين التي تقارب 115 مليونًا، فإنها تشكل سوقًا مهمة للعديد من القطاعات.


     
  • السبب الثالث: موقعها الاستراتيجي.

    تقع مصر عند ملتقى طرق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، مما يوفر مزايا كبيرة للشركات الراغبة في التصدير.


     
  • السبب الرابع: الاتفاقيات التجارية.

    تستطيع مصر تحقيق مزايا كبيرة في مجال الصادرات بفضل الاتفاقيات التي أبرمتها مع مختلف البلدان والمناطق الاقتصادية.


     
  • السبب الخامس: الدعم الحكومي.

    تساهم المناطق الصناعية، ومرافق الاستثمار، والمزايا الضريبية في زيادة اهتمام المستثمرين الأجانب.

 

التقرير أشار في المقابل، إلى أنه كما هو الحال مع أي استثمار، هناك بعض المخاطر التي ينطوي عليها الأمر.

 

فقد تؤثر تقلبات العملة والتطورات السياسية الإقليمية والعمليات البيروقراطية والتباطؤ الاقتصادي العالمي أحيانًا على قرارات الاستثمار. ومع ذلك، تفكر الشركات الكبيرة على المدى الطويل، وبالتالي تحلل هذه المخاطر مسبقًا قبل اتخاذ أي إجراء.

 

من غير المتوقع أن تقتصر الاستثمارات التركية على مرافق التصنيع في السنوات القليلة المقبلة. وقد تظهر استثمارات جديدة أيضًا في مجالات نقل التكنولوجيا، وأنظمة التصنيع الرقمية، والأتمتة، والبرمجيات، والتعاقد من الباطن في الصناعات الدفاعية، والمعدات الطبية، وإنتاج الأدوية، وصناعة التعاقد من الباطن في قطاع السيارات.

 

وهناك حديث عن تحول مصر إلى مركز إنتاج جديد، وخاصة بالنسبة للأجزاء اللازمة للسيارات الكهربائية.

 

ويتوقع الخبراء أن ينمو حجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر بشكل أكبر في السنوات المقبلة. ومن المرجح أن يؤدي تطبيع العلاقات السياسية إلى تسريع التعاون الاقتصادي، وزيادة الاستثمارات المتبادلة، وتمهيد الطريق أمام مشاريع مشتركة جديدة.


وخلص التقرير إلى أن توجه الشركات التركية نحو مصر ليس مصادفة، بل هو نتيجة طبيعة لتغير موازين التجارة العالمية. فالتكاليف المنخفضة، والموقع الاستراتيجي، والسوق الواسعة، ومزايا التصدير تجعل مصر وجهة جذابة، بينما تشكل خبرة الشركات التركية وتجربتها الإنتاجية الركيزة الأساسية لهذه الاستثمارات. 

 

ومن المتوقع أن يُسهم هذا التقارب الاقتصادي في خلق فرص جديدة لكل من تركيا ومصر في الفترة المقبلة. والأهم من ذلك، أن تتحول هذه العملية إلى شراكة مستدامة ومُثمرة للطرفين، ذات قيمة مضافة عالية.


https://sanayihaberajansi.com.tr/turk-sirketleri-neden-misira-gidiyor/491178/