كشفت بيانات مركز معلومات مجلس الوزراء أن الدولار المتذبذب قرب 50٫50 جنيه في مصر أربك أسعار 5 سلع أساسية بين الصعود والهبوط، ودفع التجار إلى التحوط، بينما تستعد الحكومة لخطة تزعم أنها ستعيد الاستقرار للأسواق.
سياسيا، تفضح الأزمة هشاشة إدارة اقتصادية تترك غذاء المصريين رهينة لصواريخ الإقليم وتقلبات العملة، ثم تطلب من الأسر انتظار خطة جديدة، بينما تلتهم الأسعار دخولها ويصبح الحصول على الطعام اختبارا يوميا للقدرة على البقاء.
الدولار يحكم رفوف الأسواق
بداية، سجل الدولار في البنوك نحو 50٫50 جنيه للشراء، بعدما تحرك صعودا وهبوطا تحت تأثير تجدد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، فانتقلت مخاوف الحرب سريعا من شاشات الصرف إلى دفاتر المستوردين والتجار.
وفي المقابل، لم تتحرك جميع السلع في اتجاه واحد، إذ ارتفعت أسعار الدقيق والزيت واللحوم، بينما تراجعت أسعار السكر والفول، بما يؤكد أن سعر الصرف مؤثر رئيسي لكنه ليس العامل الوحيد المتحكم بالسوق.
ووفق البيانات الرسمية، يعكس هذا التباين اختلاف نسب المكونات المستوردة، ودورات التخزين، ومواعيد التعاقد، وتكاليف النقل والطاقة، لذلك قد تستجيب سلعة لقفزة الدولار فورا، فيما تتأخر أخرى أو تنخفض بفعل وفرة مؤقتة.
كذلك، يرى الخبير الاقتصادي أحمد حنفي أن تذبذب العملة يربك التسعير بعلاقة طردية، فكلما زادت حاجة الاستيراد إلى الدولار ارتفعت تكلفة السلعة، بينما يظل السعر النهائي محملا بتوقعات الحركة المقبلة لا بالسعر الراهن وحده.
وعلى مستوى التجارة، يصف حنفي آلية تسمى الدولار المتحرك، إذ يحتسب البائع سعرا احتياطيا يتجاوز الكلفة الفعلية أحيانا، حماية لرأس المال من هبوط الجنيه المحتمل قبل إعادة شراء المخزون أو سداد الالتزامات الخارجية.
وبحسب هذا المنطق، يتحول عدم اليقين إلى ضريبة غير معلنة يدفعها المستهلك، لأن التاجر لا يسعر السلعة وفقا لتكلفتها الماضية فقط، بل يضيف هامشا يحميه من صدمة محتملة عند دورة الاستيراد التالية.
فضلا عن ذلك، يدفع التحوط السلعي بعض التجار إلى زيادة المخزون خلال فترات الوفرة، ما قد يقلل المعروض المتاح مؤقتا، بينما يرفع التحوط السعري هوامش البيع، فتتضاعف الضغوط من الكمية والسعر في وقت واحد.
وهكذا، يصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك أدوات التأثير فيها، إذ يتحمل فارق الصرف مقدما عند الصعود، لكنه ينتظر شهورا حتى يظهر أثر التراجع، إن ظهر، على بطاقة السعر.
تحوط التجار يضاعف الكلفة
من جهة أخرى، لا يمكن اختزال المشكلة في جشع فردي، فالتاجر يعمل داخل اقتصاد تتقلب فيه العملة والطاقة والتمويل، لكن غياب الإفصاح عن هوامش الأرباح وضعف المنافسة يسمحان بتحويل الخوف المشروع إلى مكاسب مبالغ فيها.
وفي تفسير أكثر حدة، يقول الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن السوق تعاني جمود الأسعار تجاه الانخفاض، حيث تمرر الزيادات بسرعة عند ارتفاع التكلفة، فيما يتردد المنتجون والتجار في الخفض بسبب انعدام الثقة باستمرار التحسن.
وبينما يربط فؤاد هذا الجمود بضعف المنافسة والرقابة، تكشف الظاهرة خللا أعمق، فالأسواق التي لا تعاقب المحتكر ولا تكافئ الأقل سعرا تجعل هبوط الدولار خبرا مصرفيا بلا أثر ملموس على موائد الأسر.
ثم إن السعر المتداول لا يضم الدولار فقط، بل يشمل الكهرباء والوقود والنقل والأجور والفائدة والتخزين، ولذلك يستطيع المنتج تبرير تثبيت السعر حتى بعد تحسن الجنيه، مستندا إلى ارتفاع عناصر تكلفة أخرى يصعب على المستهلك مراجعتها.
ومع ذلك، لا تبرئ تعدد التكاليف الممارسات الانتهازية، لأن بعض القطاعات ترفع الأسعار فور سماع خبر الصعود قبل وصول شحنات جديدة، ثم تتمسك بالمخزون القديم ذريعة لرفض الخفض عندما تتراجع العملة.
اقتصاديا، سجل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن 14٫3 في المئة خلال يونيو، مقابل 14٫6 في المئة خلال مايو، وهو تباطؤ في سرعة الزيادة لا عودة بالأسعار إلى مستويات أقل.
والأخطر، أن التضخم الأساسي ارتفع إلى 14٫3 في المئة من 13٫8 في المئة، ما يشير إلى استمرار ضغوط كامنة بعد استبعاد السلع الأشد تقلبا، ويضعف الاحتفاء الرسمي بتراجع محدود في المؤشر العام.
نتيجة لذلك، تبدو الأرقام الكلية أقل طمأنة مما توحي به البيانات المجردة، فأسرة استنزفتها موجات الغلاء السابقة لن تشعر بتحسن لأن الزيادة أصبحت أبطأ، ما دامت الأجور الحقيقية عاجزة عن استعادة قوتها.
خطة حكومية أمام الاختبار
إزاء ذلك، أعلنت الحكومة إعداد خطة تنفيذية متكاملة خلال 10 أيام لعرضها على مجلس الوزراء، تنفيذا لتكليفات تتعلق بتوافر السلع الأساسية واستقرار أسعارها، مع وعود بتخفيف الأعباء المعيشية وضمان وصول المنتجات للمواطنين.
حكوميا، يعيد الإعلان إنتاج النمط المعتاد القائم على الوعود والاجتماعات، بينما يغيب حتى الآن نشر أدوات قابلة للقياس، مثل السلع المستهدفة، وحجم المخزون، وهوامش التداول المقبولة، والجدول الزمني الذي يمكن محاسبة المسؤولين عليه.
لكن الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح يحذر من أن الأسعار تهبط ببطء وتصعد سريعا، ويربط ذلك بخوف التجار من موجة تضخمية جديدة، إلى جانب ارتفاع الكهرباء والنقل وتشوه حلقات التداول وضعف الرقابة.
علاوة على ذلك، يؤكد أبو الفتوح أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي لا يكفي ما لم يصل أثره إلى جيب المواطن، وأن دورة الإنتاج قد تحتاج بين 3 و6 أشهر قبل انتقال استقرار العملة إلى السعر النهائي.
ومن ثم، تحتاج الخطة إلى رقابة تستند إلى فواتير التكلفة الحقيقية، لا حملات موسمية أمام الكاميرات، وإلى قواعد تلزم كبار المنتجين والمستوردين بإعلان أسباب الزيادة ومواعيد مراجعة الأسعار بعد انخفاض الدولار أو الخامات.
اجتماعيا، ينبغي حماية صغار التجار من تحميلهم وحدهم مسؤولية أزمة صنعتها بنية الاستيراد والاحتكار، مع توسيع منافذ البيع التعاوني، ودعم سلاسل التوزيع القصيرة، وضمان ألا تتحول الرقابة إلى غرامات تنتقل بدورها للمستهلك.
وعليه، يظل توسيع الإنتاج المحلي أكثر استدامة من التسعير الإداري، لكنه يحتاج سياسة صناعية وزراعية تقلل المكون المستورد، وتمويلا ميسرا، وطاقة مستقرة، ومنافسة حقيقية تمنع مجموعة محدودة من التحكم في تدفق السلع وهوامش الربح.
في المحصلة، لن تنجح خطة العشرة أيام إذا تعاملت مع الغلاء كحادث عابر، لأن جذوره تمتد إلى هشاشة الجنيه والاعتماد على الخارج وضعف الرقابة، بينما يبدأ الاختبار الحقيقي بانخفاض ملموس ومستمر في فاتورة الأسرة.
ختاما، تكشف أزمة الدولار والأسعار أن الأمن الغذائي ليس مؤتمرا صحفيا ولا مخزونا معلنا، بل حق يتطلب شفافية ومحاسبة وأجورا عادلة، وإلا ستبقى كل صدمة إقليمية فرصة جديدة لنقل خسائر الدولة والسوق إلى المواطنين.

