كشف البنك المركزي المصري أن الدين الخارجي لمصر بلغ 163.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025 مقابل 161.230 مليار دولار في يونيو من العام نفسه بزيادة تقارب 2.6 مليار دولار رغم سداد 15.995 مليار دولار خلال ستة أشهر بين فوائد وأقساط وهو ما أبقى المديونية عند مستوى مرتفع.
وتضع هذه الأرقام حكومة عبد الفتاح السيسي أمام مسؤولية مباشرة عن استمرار الاقتراض بعد أكثر من عقد من الوعود بخفض الدين لأن المواطن يتحمل النتيجة عبر ضرائب ورسوم وأسعار خدمات مرتفعة بينما تستهلك خدمة الدين موارد كان يفترض توجيهها إلى التعليم والصحة والأجور والاستثمار المنتج.
خدمة الدين تبتلع الموازنة
وبحسب بيانات الموازنة الجديدة يسجل بند خدمة الدين في العام المالي الجاري نحو 5.2 تريليونات جنيه بزيادة 19.2% عن العام السابق ويتوزع المبلغ بين فوائد تقترب من 2.419 تريليون جنيه وأقساط قروض محلية وأجنبية تبلغ نحو 2.807 تريليون جنيه بما يضغط على الإنفاق العام.
وفي المقابل كانت الفوائد في العام المالي السابق نحو 2.298 تريليون جنيه بينما بلغت الأقساط قرابة 2.08 تريليون جنيه وهو ما يعني أن الحكومة لم تخفض أصل المشكلة بل رفعت حجم الموارد المخصصة للسداد في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على مواجهة الغلاء وتتآكل فيه الخدمات الأساسية.
وعلى مستوى الدين الخارجي سددت مصر خلال النصف الأول من العام المالي 2025 و2026 نحو 12.2 مليار دولار من أصل الدين و3.75 مليارات دولار فوائد إلا أن الرصيد ارتفع مجددا وهو ما يكشف أن الاقتراض الجديد والالتزامات المتراكمة يبددان أثر السداد قبل أن ينعكس على المؤشرات العامة.
ومن جانبه يرى الباحث الاقتصادي محمد رمضان أن صفقة رأس الحكمة قدمت تدفقا فوريا بقيمة 35 مليار دولار لكنها لم تعالج إدارة المديونية لأن الدين عاد إلى 161.2 مليار دولار في يونيو 2025 بعد انخفاض مؤقت ولم يتجاوز الخفض الفعلي 14 مليار دولار بينها 11 مليارا كانت ودائع إماراتية.
وبالتالي فإن تحويل الودائع إلى استثمارات أخرج جزءا من الدين من السجلات من دون توفير خفض مواز للقيمة عبر إنتاج أو صادرات جديدة وهو ما سمح بعودة الرصيد إلى الارتفاع بعد عام واحد وأظهر أن الحكومة استخدمت الصفقة لتجاوز أزمة سيولة قصيرة بدلا من تغيير سياسة الاقتراض.
كما اقتطعت مدفوعات الفوائد والأقساط جزءا متزايدا من الإيرادات العامة بينما حافظت الحكومة على توسعها في إصدار أدوات دين جديدة بالعملات المحلية والأجنبية وهو ما جعل السداد عملية دورية لإدارة الاستحقاقات وليس مسارا لإنهاء المديونية أو تقليل اعتماد الدولة على الدائنين.
الجدولة تؤجل الأزمة
أما الحكومة فتتمسك بجدولة الديون وتحويل بعضها إلى استثمارات وترفض طلب إعادة هيكلة شاملة بدعوى حماية التصنيف الائتماني وتجنب اعتبار تغيير شروط السداد تخلفا جزئيا إلا أن هذا الخيار يمد آجال الالتزامات من دون أن يضمن خفض أصل الدين أو كلفة الفائدة المرتفعة.
وفي هذا السياق لم تنضم مصر إلى مبادرات الإطار المشترك لمجموعة العشرين التي استفادت منها إثيوبيا وزامبيا وتشاد وغانا لأن وزارة المالية تعتبره موجها للدول الأشد فقرا والعاجزة عن السداد بينما تفضل القاهرة مبادلة الديون بالمشروعات والتفاوض الثنائي مع الدائنين.
ومع ذلك تظهر التجربة الإثيوبية تعقيدات حقيقية إذ أعادت أديس أبابا التفاوض على 8.4 مليارات دولار من القروض الرسمية وحصلت على تخفيف يتجاوز 3.5 مليارات دولار ثم واجهت خلافات مع حملة سندات بقيمة مليار دولار وتعطلت التسوية بسبب اعتراضات الدائنين الرسميين والقطاع الخاص.
ولاحقا توصلت إثيوبيا في يونيو 2026 إلى اتفاق أولي يخفض أصل السند إلى 880 مليون دولار ويسدد المبلغ حتى 2029 بفائدة 6.15% إلى جانب 99.4 مليون دولار فوائد متأخرة ورسوم مع منح المستثمرين حق المشاركة في إصدار جديد قد يصل إلى مليار دولار.
وفي الوقت نفسه هدد بعض حملة السندات باللجوء إلى المحاكم البريطانية بعد انهيار اتفاق سابق تحت ضغط لجنة الدائنين الرسمية التي تقودها الصين وفرنسا وهو ما يوضح أن إعادة الهيكلة ليست مسارا بلا كلفة لكنها تظل اعترافا علنيا بحجم الأزمة ومحاولة لتوزيع خسائرها بين الدولة والدائنين.
ومن ناحية أخرى يقترح رجل الأعمال حسن هيكل التفاوض مع 20 إلى 30 مؤسسة دائنة للحصول على إعفاءات وتخفيضات بدلا من الاكتفاء بمد آجال السداد ويرى أن تقسيم الدين بين سندات متداولة ومديونيات مؤسسية يتيح بناء تفاوض منفصل يركز على خفض الأعباء الفعلية.
وبناء على ذلك لا يقدم التخوف من خفض التصنيف الائتماني تبريرا كافيا لاستمرار الوضع الحالي لأن الجدولة المتكررة تترك أصل الدين قائما وتضيف فوائد جديدة بينما يؤدي الاقتراض بأسعار مرتفعة إلى زيادة العبء الذي تستخدمه الحكومة لاحقا لتبرير خفض الدعم ورفع الرسوم والضرائب.
الاقتراض يعيد إنتاج العجز
وبالتوازي تنفذ مصر وإثيوبيا برنامجين مع صندوق النقد الدولي بينما حصلت أديس أبابا في يوليو 2024 على تمويل بقيمة 2.556 مليار وحدة حقوق سحب خاصة تعادل نحو 3.4 مليارات دولار بعد أزمة ديون ارتبطت بتمويل مشروعات بنية أساسية وضعف عائدات التصدير ونقص النقد الأجنبي.
كما فقد البير الإثيوبي نحو 28% من قيمته أمام الدولار خلال 2025 بعد تحرير سعر الصرف بينما شهدت مصر تخفيضات حادة لقيمة الجنيه ضمن برنامجها مع الصندوق وهو ما رفع تكلفة خدمة الدين الخارجي بالعملة المحلية وزاد أسعار الواردات ونقل جانبا كبيرا من كلفة التصحيح إلى المواطنين.
وبحسب دراسات مصرية صدرت خلال 2023 و2024 فإن الخروج من دائرة التعثر يتطلب خفضا حقيقيا للقيمة المدفوعة لا يقل عن 20% ومد متوسط آجال السداد ورفع حصة الديون طويلة الأجل إلى نحو 90% مع نشر شروط القروض وخطط استخدامها ومصادر العملات اللازمة للسداد.
كذلك تطالب هذه الدراسات بخطة خمسية يقرها البرلمان تحدد المشروعات الممولة بالاقتراض الخارجي وتربط كل قرض بعائد دولاري واضح لأن غياب الرقابة البرلمانية والشفافية سمح بتوجيه قروض إلى مشروعات لا تولد صادرات أو تدفقات نقدية تكفي لسداد فوائدها وأقساطها في مواعيدها.
ومن جهته حذر الخبير الاقتصادي محمود محيي الدين من أن الخطر لا يرتبط بحجم الدين وحده بل بتكلفة خدمته التي تقترب من 50% من قيمة الصادرات مؤكدا أن الإنفاق على الدين العام أصبح أكبر من الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الأساسية مجتمعة.
وعلاوة على ذلك يرى محيي الدين أن الخروج من الضغط يتطلب رفع معدلات النمو الحقيقي وزيادة الاستثمار الخاص وتحسين الإنتاجية بدلا من تمويل توسع حكومي جديد بالقروض لأن النمو القائم على الاقتراض لا يوفر موارد مستدامة للسداد ويعيد إنتاج الأزمة عند حلول كل استحقاق.
ومن ثم تكشف المقارنة بين القاهرة وأديس أبابا أن الحكومة المصرية تتجنب إعلان أزمة هيكلة رسمية لكنها تدير أزمة مديونية ممتدة عبر الجداول الزمنية والصفقات وبيع الأصول بينما تدخل إثيوبيا مفاوضات مكلفة ومعلنة لتخفيض التزامات لا تستطيع سدادها بشروطها الأصلية.
وأخيرا تكشف زيادة الدين إلى 163.9 مليار دولار أن الحكومة لم تحول تدفقات رأس الحكمة ولا برامج الصندوق ولا مبادلات الديون إلى مسار هبوط مستدام بينما يظل العلاج الرسمي قائما على اقتراض جديد وجدولة أقدم وبيع أصول وفرض أعباء إضافية على مجتمع يدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها.

