مددت الحكومة المصرية مهلة تقديم طلبات السكن البديل 3 أشهر إضافية في أنحاء الجمهورية، بعد استقبال نحو 102 ألف طلب، في خطوة تستهدف استيعاب المتضررين من تعديلات قانون الإيجار القديم وتخفيف ارتباك الانتقال.
ويأتي القرار وسط أزمة سياسية وإنسانية تتسع مع اقتراب ملايين المستأجرين من فقدان مساكن استقروا فيها لعقود، بينما تتعامل الحكومة مع الملف بمنطق إداري ضيق يتجاهل هشاشة كبار السن ومحدودي الدخل.
وبحسب البيانات الحكومية، بدأ التقديم في أكتوبر الماضي، وانتهت المهلة الأولى في 12 يوليو، قبل أن يقرر مجلس الوزراء تمديدها، بعدما بلغ عدد طلبات الوحدات السكنية 99 ألفا و800 طلب حتى نهاية الفترة المحددة.
وفي المقابل، سجلت طلبات الوحدات غير السكنية 1790 طلبا فقط، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين تقديرات الحكومة السابقة لحجم المتضررين، وبين الاستجابة الفعلية لمنصة التسجيل وشروطها المعقدة أمام المواطنين.
ويعتمد نظام السكن البديل على تخصيص وحدات حكومية بأنظمة سداد مختلفة للمستأجرين الذين لا يملكون وحدات أخرى، على أن يتم التسليم خلال الفترة الانتقالية البالغة 7 سنوات منذ تنفيذ القانون.
غير أن الحكومة لم تقدم حتى الآن خريطة واضحة لمواقع الوحدات أو أسعارها أو مقدمات الحجز، ما جعل آلاف الأسر تعتبر التسجيل خطوة نحو المجهول، لا ضمانا حقيقيا لاستقرارها السكني.
إخفاق حكومي واضح
يرى النائب عاطف مغاوري أن محدودية الطلبات المقدمة تكشف إخفاقا حكوميا في إدارة الأزمة، مؤكدا أن العزوف الشعبي يفرض إعادة النظر في القانون وآليات تنفيذه قبل اتساع دائرة المتضررين خلال السنوات المقبلة.
كما أن مغاوري يعتبر غياب قاعدة بيانات دقيقة عن الوحدات والعقود والمستفيدين سببا رئيسيا للفوضى الحالية، لأن تطبيق القانون دون حصر شامل يهدد بتحويل الحالات المختلفة إلى ملف واحد قاس.
ويضيف مغاوري أن الدولة لم تضمن توفير مساكن بديلة داخل النطاقات السكنية نفسها، خصوصا في القاهرة، حيث ندرة الأراضي وارتفاع الأسعار يدفعان بالأسر نحو أطراف بعيدة تفتقر للخدمات الأساسية وفرص العمل.
وبالتالي، فإن نقل المستأجرين إلى مدن جديدة بعيدة لا يمثل بديلا عادلا، بل اقتلاعا اجتماعيا يقطع صلاتهم بالعمل والمدارس والعلاج، ويضاعف تكاليف المعيشة على أسر أنهكها الغلاء وتراجع الدخول المستمر.
ومن ثم، يطالب مغاوري بإعادة فتح الملف داخل البرلمان، بعدما أظهر التطبيق العملي أن النصوص الحالية تتجاهل أوضاعا اجتماعية معقدة، ولا توفر حماية كافية لكبار السن والورثة محدودي الدخل في مختلف المحافظات.
علاوة على ذلك، يكشف تمديد المهلة أن الحكومة لم تكن مستعدة زمنيا أو لوجستيا لتنفيذ القانون، وأنها اندفعت إلى إقرار تعديلات واسعة قبل بناء منظومة سكنية قادرة على استيعاب نتائجها.
مخاوف قانونية متصاعدة
ويقدر المستشار القانوني أحمد البحيري أن نحو 10 في المائة من المستأجرين لم يسجلوا بسبب دعاوى الطعن، والتحذيرات من اعتبار التسجيل تنازلا ضمنيا عن الحق في الوحدات الحالية أو قبولا بالإخلاء.
كما يشير البحيري إلى أن الغموض القانوني دفع محامين إلى مطالبة المواطنين بالتريث، انتظارا لما ستقضي به المحاكم في الطعون التي تستهدف إسقاط مواد أساسية من القانون الجديد وحماية المراكز التعاقدية القائمة.
وبناء على ذلك، تحول التسجيل من إجراء خدمي إلى قرار قانوني محفوف بالمخاطر، لأن المستأجر يخشى أن تستخدم بياناته لاحقا لإثبات القبول بالإخلاء أو التخلي عن مركزه التعاقدي أمام الجهات الحكومية.
وفي الوقت نفسه، ما تزال دعاوى متعددة أمام المحاكم المختلفة، بينما تستعد هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا الشهر المقبل لنظر دعوى تطعن في دستورية مادتين من القانون وتطالب بوقف آثارهما.
لذلك، يظل التمديد الحكومي محدود القيمة ما لم يصاحبه توضيح قانوني ملزم يحمي المتقدمين من فقدان حقوقهم، ويمنع تفسير التسجيل باعتباره موافقة مسبقة على الإخلاء أو البديل المقترح من جانب الدولة.
ومن ناحية أخرى، ينص القانون رقم 164 لسنة 2025 على إنهاء عقود السكن بعد 7 سنوات، والعقود غير السكنية بعد 5 سنوات، ما لم يتفق الطرفان على نهاية مبكرة للعلاقة الإيجارية.
رفض شعبي واسع
يؤكد رئيس اتحاد المستأجرين شريف الجعار أن الأعداد الحقيقية للمتضررين تفوق كثيرا المسجلين، لأن قطاعات واسعة ترفض إدخال بياناتها في منظومة لا تعلن مواقع الوحدات البديلة وأسعارها أو شروط الحصول عليها.
ويضيف الجعار أن غياب المعلومات حول طرق السداد ومقدمات الحجز والأقساط يجعل الوعود الحكومية بلا مضمون، خصوصا لمن يعيشون على معاشات محدودة ولا يملكون قدرة على تحمل التزامات مالية جديدة طويلة الأجل.
وبحسب الجعار، فإن رفض التسجيل لا يعني غياب الحاجة، بل يعبر عن موقف احتجاجي ضد قانون يهدم علاقات تعاقدية مستقرة، ويفرض على المستأجر وحده كلفة معالجة تشوهات تراكمت لعقود طويلة.
وفي السياق نفسه، يعول الجعار وعدد من المستأجرين على أحكام المحكمة الدستورية، أملا في وقف المواد التي تنهي العقود تلقائيا، وتعيد تشكيل العلاقة بين المالك والمستأجر دون تفاوض متكافئ أو ضمانات اجتماعية.
كذلك، تبدأ زيادة سنوية بنسبة 15 في المائة اعتبارا من سبتمبر المقبل، بعد رفع الإيجارات إلى 20 ضعفا بالمناطق المتميزة، و10 أضعاف بالمناطق المتوسطة والاقتصادية، مع حدود دنيا متفاوتة بين المناطق.
ولزيادة الضغط، ستطبق هذه الزيادات في ظل تراجع الدخول وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والمواصلات، ما يحول القانون إلى أداة إضافية لدفع الأسر الفقيرة نحو مزيد من الديون والحرمان السكني المتزايد.
وفي النهاية، يكشف تمديد المهلة أن أزمة الإيجار القديم لم تحل، بل تأجل انفجارها، بينما تواصل الحكومة تحميل المستأجرين نتائج عجزها عن بناء سياسة إسكان عادلة تحمي السكن كحق اجتماعي أصيل.

