أطلقت منظمات حقوقية مصرية، بدءا من 25 يوليو وحتى نهاية الشهر، حملة "عايز أتنفس"، للمطالبة بحماية المحتجزين من الحر والتكدس، وضمان التهوية والمياه والرعاية الصحية، ومنع تحول الزنازين إلى أماكن قاتلة.
ويأتي إطلاق الحملة في سياق قمع ممتد منذ 2013، حوّل السجون إلى أداة لإسكات المعارضين، بينما تتجاهل السلطة المخاطر المناخية والصحية التي تهدد آلاف المحتجزين، وتتعامل مع أبسط حقوقهم باعتبارها امتيازات قابلة للمنع.
وبحسب منظمي الحملة، تشمل المطالب تشغيل المراوح وصيانة وسائل التبريد، وضمان وصول مياه الشرب النظيفة، والسماح بالاستحمام وتغيير الملابس، وتوفير مستلزمات النظافة، خصوصا خلال موجات الحر والرطوبة الشديدة داخل أماكن الاحتجاز.
وفي المقابل، دعت الحملة إلى تقليل التكدس والالتزام بالمساحات القانونية لكل محتجز، مع توفير رعاية طبية عاجلة ودورية لكبار السن والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة، باعتبارهم الأكثر عرضة للإنهاك والجفاف والمضاعفات الخطرة.
ومن جانب آخر، طالبت المنظمات بالسماح لجهات حقوقية مستقلة بزيارة السجون وأقسام الشرطة، وتوثيق حالات الإغماء والوفاة والتدهور الصحي، والتحقيق في أي حرمان متعمد من المياه أو التهوية أو العلاج ومحاسبة المسؤولين.
وفوق ذلك، ربطت الحملة بين مواجهة الحر وإنهاء أصل المأساة، مطالبة بالإفراج عن المحتجزين تعسفيا والمحبوسين احتياطيا لفترات طويلة، ووقف إعادة التدوير التي تحول الحبس المؤقت إلى عقوبة مفتوحة بلا حكم نهائي.
التكدس يصنع الخطر
ويرى الحقوقي جمال عيد أن أوضاع السجون لا يمكن فصلها عن سياسة التوسع في الحبس، مؤكدا في مواقفه الحقوقية أن غياب الرقابة المستقلة يسمح باستمرار الانتهاكات، ويجعل حياة المحتجزين رهينة قرارات إدارية وأمنية مغلقة.
وبالتالي، فإن التكدس لا يمثل مجرد ازدحام عابر، بل يضاعف الحرارة ويقلل الأكسجين ويزيد انتشار العدوى، خصوصا حين تتكدس أجساد كثيرة داخل زنازين ضيقة تفتقر إلى النوافذ الكافية والمراوح ومصادر المياه المستمرة.
كما أن تقرير رابطة أهالي المعتقلين المصريين وصف التكدس بأنه أداة للعقاب النفسي والصحي، لأن استمرار الاحتجاز في بيئة خانقة رغم إمكان اتخاذ تدابير بسيطة يجعل المعاناة متوقعة، ويمكن منعها بقرارات واضحة.
ولذلك، يصبح تجاهل التحذيرات المناخية مسؤولية مباشرة على إدارة كل مكان احتجاز، إذ لا يمكن اعتبار الوفاة أو الإغماء نتيجة طبيعية للطقس عندما تكون السلطات قادرة على توفير تهوية ومياه وعلاج ثم تمتنع.
ومن ثم، تكتسب مطالبة جمال عيد بفتح السجون أمام الرقابة المستقلة أهمية مضاعفة، لأن غياب الزيارات المحايدة يحجب حقيقة الأعداد والتهوية والرعاية، ويترك الرواية الرسمية بلا اختبار أو مساءلة من جهات خارجية.
علاوة على ذلك، يفاقم التكدس التوتر والعنف واضطرابات النوم والقلق، ويمنع المحتجز من الحركة الطبيعية، بينما تتحول الزنزانة خلال النهار إلى مساحة شديدة السخونة يصعب فيها التنفس أو الراحة أو الحفاظ على النظافة.
وبناء على ذلك، لا يكفي إصدار تعليمات عامة من وزارة الداخلية، بل يجب إعلان معايير قابلة للقياس بشأن عدد المحتجزين والمساحة والتهوية ودرجات الحرارة، مع نشر نتائج التفتيش والتحقيقات بصورة دورية وشفافة.
حقوق أساسية مسلوبة
ويؤكد الحقوقي حسام بهجت أن ضمان سلامة المحتجزين مسؤولية كاملة للدولة، لأن الشخص المسلوب الحرية لا يملك اختيار مكانه أو الحصول بنفسه على الماء والعلاج، ما يجعل أي تقصير رسمي تهديدا مباشرا لحقه في الحياة.
وفي هذا الإطار، تعيد حملة عايز أتنفس التأكيد أن المياه والهواء والرعاية الطبية ليست خدمات تكميلية، بل حقوق لا يجوز ربطها بسلوك المحتجز أو تصنيف قضيته أو استخدامها للضغط عليه أو معاقبة أسرته.
وفي الوقت نفسه، يؤدي منع الاستحمام أو تغيير الملابس إلى أمراض جلدية وعدوى متكررة، بينما يزيد نقص المياه خطر الجفاف واضطراب الكلى والدورة الدموية، خاصة بين كبار السن ومرضى القلب والسكري والضغط.
وبالرغم من خطورة الأعراض، تشكو أسر عديدة من تأخر نقل المرضى إلى المستشفيات أو رفض إدخال الأدوية، ما يحول الحالات القابلة للعلاج إلى أزمات مهددة للحياة، ويضاعف معاناة الأسر خارج الأسوار.
كذلك، يرى حسام بهجت أن المحاسبة تبدأ بتوثيق الانتهاك والوصول إلى المعلومات، ولذلك تطالب الحملة بتسجيل حالات الوفاة والإغماء والتدهور الصحي، مع إعلان نتائج التحقيقات وعدم الاكتفاء ببيانات تنفي المسؤولية.
ومن ناحية أخرى، لا تقتصر الحماية على السجون المعروفة، بل تشمل أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز غير المعلنة، حيث تكون الرقابة أضعف، والتكدس أشد، وإمكان الوصول إلى العلاج أو التواصل مع الأسرة أكثر صعوبة.
إضافة إلى ذلك، تتحمل النيابة العامة مسؤولية تفقد أماكن الاحتجاز وسؤال المحتجزين عن ظروفهم، لكن فعالية هذا الدور تبقى محل شك ما دامت الشكاوى تتكرر من دون نتائج معلنة أو مساءلة واضحة.
الحبس أصل المأساة
ويرى الحقوقي محمد زارع أن الحبس الاحتياطي في مصر تحول من إجراء استثنائي إلى عقوبة ممتدة، خصوصا مع إعادة تدوير المتهمين في قضايا جديدة، بما يهدم ضمانات المحاكمة العادلة ويقتل الأمل لدى المحتجزين وأسرهم.
وأمام ذلك، تؤكد الحملة أن تحسين التهوية لا يعالج وحده مأساة شخص محتجز بلا محاكمة عادلة، لأن أصل الانتهاك يبدأ من استمرار سجنه سنوات بقرارات متعاقبة، ثم يتضاعف داخل زنزانة تفتقر إلى شروط الحياة.
وبموازاة ذلك، ترتبط محاولات إيذاء النفس التي تتحدث عنها منظمات حقوقية بفقدان الأمل والعزلة الطويلة وتجدد الحبس، ما يجعل الأزمة نفسية وقانونية وسياسية، وليست مجرد مشكلة موسمية ترتفع مع درجات الحرارة.
وعوضا عن الإفراج عن المحبوسين احتياطيا، تواصل السلطات استخدام قوائم العفو المحدودة كبديل عن إصلاح شامل، بينما يبقى آلاف الأشخاص داخل دوائر قضائية مغلقة تسمح باستمرار الحبس دون حسم الاتهامات.
وفي المحصلة، يطالب محمد زارع بإنهاء التوسع في الحبس الاحتياطي واحترام حدوده القانونية، وهو مطلب يتقاطع مع الحملة التي ترى أن تقليل أعداد المحتجزين أول خطوة عملية لمواجهة التكدس وحماية الأرواح.
وعلى هذا الأساس، تصبح محاسبة المسؤولين عن الإهمال ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن استمرار التكدس والحرمان من العلاج والمياه رغم التحذيرات المتكررة ينقل الانتهاك من دائرة التقصير الإداري إلى دائرة العقاب المتعمد.
ختاما، تكشف حملة عايز أتنفس أن الزنازين المصرية لا تحتاج مراوح فقط، بل تحتاج دولة تحترم القانون والكرامة الإنسانية، وتوقف الاعتقال التعسفي، وتسمح بالرقابة، وتحاسب من حوّل الحر والتكدس إلى أدوات للعقاب.

