كشفت الحكومة المصرية عن سعيها لاقتراض نحو 500 مليون دولار من مؤسسات تمويل دولية، لتمويل المكون الأجنبي من مد الخط الأول لمترو القاهرة بين المرج الجديدة وشبين القناطر، بما يوسع الخدمة نحو شمال شرق العاصمة.

 

ويأتي التمويل الجديد بينما تتضخم أعباء الديون الخارجية وخدمتها، في مشهد يعكس إصرار السلطة على رهن مشروعات النقل بقروض دولارية يدفع المواطن تكلفتها لاحقا عبر الضرائب ورفع التذاكر وتقليص الإنفاق الاجتماعي.

 

وبحسب بيانات المشروع، تصل التكلفة التقديرية الكلية إلى نحو 1.7 مليار دولار، بينما تستهدف القروض الميسرة تغطية المعدات والأنظمة والمكونات المستوردة التي لا تستطيع الحكومة توفيرها بالعملة المحلية خلال التنفيذ المرتقب.

 

وفي المقابل، يمتد المسار المقترح بطول يقارب 19 كيلومترا، ويضم 14 محطة جديدة، مع استبدال خط سكة حديد 23 يوليو وشبين القناطر بخط مترو مزدوج وأكثر قدرة على الاستيعاب اليومي.

 

ومن المتوقع أن يخدم الامتداد نحو 1.42 مليون راكب يوميا، عبر ربط التجمعات السكنية بمحافظة القليوبية بشبكة مترو القاهرة، وتقليل الاعتماد على وسائل نقل عشوائية ومزدحمة وبطيئة داخل المنطقة.

 

لكن غياب التفاصيل المتعلقة بالجهات الممولة وأسعار الفائدة وفترات السماح والسداد يفتح باب التساؤلات حول الكلفة الحقيقية، ومدى قدرة المشروع على توليد عائد يغطي التزاماته من دون تحميل الركاب أعباء جديدة.

 

جدوى غائبة عن الجمهور

 

يرى أستاذ هندسة الطرق والنقل أسامة عقيل أن مشروعات النقل لا تقاس بضخامتها فقط، بل بدراسات الجدوى وتكلفة نقل الراكب والعائد الاقتصادي والاجتماعي، وهي معايير ينبغي إعلانها قبل الالتزام بتمويل خارجي.

 

وبالتالي، فإن امتداد المترو إلى شبين القناطر قد يمثل حاجة حقيقية للمواطنين، لكنه يحتاج إلى شفافية كاملة بشأن الطلب المتوقع وتكاليف التشغيل والصيانة، حتى لا يتحول إلى مشروع مرتفع الكلفة محدود العائد.

 

كما أن تنفيذ الخط داخل حرم سكة حديد قائمة يوفر جزءا من تكاليف نزع الملكية، لكنه يفرض خطة واضحة لضمان استمرار حركة المواطنين خلال الإنشاء، وعدم ترك القرى والمراكز بلا بديل نقل مناسب.

 

ولذلك، ينبغي أن تتضمن الدراسة مقارنة دقيقة بين المترو والقطار الكهربائي وتطوير السكة الحديد الحالية، لأن اختيار الوسيلة الأعلى كلفة دون نشر البدائل قد يعكس انحيازا للإنشاءات الضخمة على حساب الكفاءة.

 

ومن ثم، لا يكفي إعلان عدد المحطات أو الركاب المتوقعين، إذ يجب توضيح زمن الرحلة وسعر التذكرة وقدرة الخط الأول القائم على استيعاب التدفقات الإضافية من دون زيادة التكدس داخل المحطات المركزية.

 

علاوة على ذلك، يظل الخط الأول من أقدم خطوط المترو وأكثرها ازدحاما، ما يجعل تحديث إشاراته وقطاراته ومحطاته شرطا سابقا لمده، وإلا انتقلت الاختناقات الحالية إلى امتداد أطول وأكثر تعقيدا.

 

وفي السياق نفسه، تكشف تصريحات أسامة عقيل بشأن ضرورة إتاحة دراسات الجدوى للخبراء أن المشكلة ليست في التوسع ذاته، بل في اتخاذ قرارات بمليارات الدولارات بعيدا عن الرقابة المجتمعية والمحاسبة البرلمانية.

 

فاتورة دولارية متصاعدة

 

يقول الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن القرض الدولاري لا تقاس تكلفته بسعر الفائدة وحده، لأن تغير سعر الصرف يرفع قيمة الالتزام بالجنيه ويضاعف العبء حتى عندما تكون شروط التمويل المعلنة ميسرة.

 

وبناء على ذلك، فإن اقتراض 500 مليون دولار يضيف التزاما جديدا إلى مديونية خارجية مرتفعة، بينما تتحمل الموازنة فروق العملة وخدمة الدين، لا سيما إذا واصل الجنيه فقدان قيمته خلال سنوات السداد.

 

وفي الوقت ذاته، تحتاج الحكومة إلى توضيح مصدر الإيرادات الدولارية التي ستسدد القرض، لأن حصيلة التذاكر ستكون بالجنيه، بينما ستدفع الأقساط والفوائد بالعملة الأجنبية إلى المؤسسات الدولية الممولة لاحقا.

 

وبالرغم من وصف القروض بالميسرة، فإن انخفاض الفائدة لا يلغي مخاطر الاقتراض، خصوصا عندما يتزامن مع احتياجات دولارية واسعة لاستيراد الغذاء والدواء والطاقة وسداد التزامات سابقة متراكمة على الدولة.

 

كذلك، قد تلجأ الحكومة إلى زيادة أسعار تذاكر المترو لتغطية التشغيل والصيانة وخدمة التمويل، ما يحول المشروع من وسيلة تخفف معاناة المواطنين إلى عبء إضافي على العمال والطلاب ومحدودي الدخل.

 

ومن ناحية أخرى، يمكن للمشروع أن يحقق عائدا اقتصاديا غير مباشر عبر تقليل زمن الرحلات واستهلاك الوقود والحوادث، لكن هذا العائد يحتاج إلى تقدير معلن ومستقل، لا إلى أرقام حكومية بلا منهجية واضحة.

 

إضافة إلى ذلك، يطرح نافع في نقاشاته حول الدين ضرورة وقف الاعتماد المتجدد على القروض، وهو تحذير يكتسب أهمية مع تمويل مشروعات البنية الأساسية بالدولار دون بناء موارد تصديرية موازية.

 

مخاطر التمويل الخارجي

 

يرى الخبير المصرفي طارق إسماعيل أن ارتفاع الدين الخارجي يرتبط أيضا بتركيبة العملات وتغير أسعارها، ما يعني أن كلفة الالتزامات قد ترتفع حتى دون اقتراض جديد بسبب تحركات اليورو والدولار.

 

وأمام ذلك، يصبح تمويل المترو اختبارا لسياسة إدارة الدين، إذ يتعين على الحكومة بيان العملة المستخدمة في القرض وآلية التحوط من تقلباتها، بدلا من ترك الخزانة العامة معرضة لصدمات مستقبلية.

 

وبموازاة ذلك، تثير تكلفة المشروع البالغة 1.7 مليار دولار أسئلة حول نسبة المكون المحلي، وقدرة المصانع المصرية على إنتاج العربات والمهمات، لأن خفض الاستيراد هو الطريق الأوضح لتقليل الاقتراض الخارجي.

 

وعوضا عن الاكتفاء بالترويج لملايين الركاب، ينبغي نشر جدول التنفيذ ومراحل الصرف والعقود والمناقصات، مع رقابة مستقلة تمنع تضخم التكلفة والتأخير، وهما مشكلتان تكررتا سابقا في مشروعات نقل كبرى.

 

وفوق ذلك، لا يجوز فصل التمويل عن العدالة الاجتماعية، لأن سكان القليوبية يحتاجون وسيلة نقل آمنة ورخيصة، لا خطا حديثا تنتهي تكلفته في تذاكر مرتفعة تعيدهم إلى الميكروباصات العشوائية مجددا.

 

وفي المحصلة، يحمل المشروع منفعة نقلية محتملة، لكنه يكشف مرة أخرى عجز الحكومة عن تمويل البنية الأساسية من مواردها، واعتمادها على الدين الخارجي كحل جاهز مهما تضخمت مخاطره الاقتصادية المستقبلية.

 

وختاما، لن يكون مد المترو إنجازا حقيقيا إلا إذا اقترن بعقود شفافة وتمويل قابل للسداد وتذكرة عادلة، وإلا تحول الخط الجديد إلى شاهد آخر على تنمية تبنى بالقروض وتدفع فاتورتها الأجيال المقبلة.