دعا نشطاء من المجتمع المدني وقوى سياسية معارضة في تونس إلى المشاركة في مسيرة احتجاجية وسط العاصمة، مساء السبت، رفضاً لسياسات الرئيس قيس سعيد، واحتجاجاً على التدهور المتسارع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع دائرة الملاحقات السياسية بحق المعارضين والنشطاء والصحافيين والمحامين.

 

وتحمل المسيرة شعار «يزي من العبث»، أي «يكفي من العبث»، في رسالة مباشرة إلى السلطة التي يتهمها المحتجون بإغراق البلاد في أزمات متراكمة بعد خمس سنوات من الحكم الفردي، من دون تقديم حلول حقيقية لمشكلات البطالة وارتفاع الأسعار ونقص السلع وانقطاع الكهرباء والمياه وتدهور القطاع الصحي.

 

ويكتسب التحرك دلالة سياسية خاصة لتزامنه مع ذكرى 25 يوليو، عيد الجمهورية، وهو اليوم نفسه الذي أعلن فيه قيس سعيد، عام 2021، التدابير الاستثنائية التي جمّد بموجبها عمل البرلمان، وأقال الحكومة، قبل أن ينهي العمل بالدستور ويوسع صلاحياته، ويفرض نظاماً رئاسياً شديد المركزية.

 

وتقول القوى المعارضة إن قرارات 25 يوليو لم تُنقذ الدولة من الفساد والفوضى، كما وعد سعيد، بل أدت إلى إضعاف المؤسسات، وإغلاق المجال السياسي، وتحويل القضاء والأجهزة الأمنية إلى أدوات لملاحقة الخصوم، بينما ازدادت الأوضاع المعيشية سوءاً، وفشلت السلطة في توفير أبسط احتياجات المواطنين.

 

 

خمس سنوات من الحكم الفردي

 

حثت حركة «نفس»، وهي مبادرة مدنية تونسية، المواطنين على المشاركة الواسعة في المسيرة، مؤكدة أن السنوات الخمس الماضية من الحكم الفردي أنتجت أزمات متراكمة تمس الحياة اليومية للتونسيين، ولم تؤدِّ إلى أي تحسن ملموس في الاقتصاد أو الخدمات أو مستوى المعيشة.

 

ويمثل التحرك الاحتجاجي أول مظاهرة معارضة واسعة منذ أسابيع، في وقت تشهد فيه تونس موجة متصاعدة من الغضب الشعبي بسبب ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتعطل برامج تشغيل العاطلين الذين طالت بطالتهم، إلى جانب تدهور البنية التحتية والخدمات العامة.

 

كما دعت حركة النهضة الإسلامية، أكبر الأحزاب المعارضة، أنصارها إلى المشاركة في المسيرة، معتبرة أن السلطة الحالية فقدت القدرة على إدارة البلاد، ولا تمتلك رؤية سياسية أو اقتصادية تخرج تونس من أزمتها المتفاقمة.

 

وقال القيادي في الحركة عماد الخميري إن البلاد أصبحت أبعد من أي إنجاز حقيقي، وإن السلطة عاجزة حتى عن توفير الماء والكهرباء للمواطنين، مشيراً إلى أن المشاركة في الاحتجاج تأتي دعماً لمبادرة مدنية، وللمطالبة بمخرج سياسي سلمي من الأزمة.

 

وتتهم المعارضة قيس سعيد باستغلال خطاب مكافحة الفساد لتبرير الاستحواذ على السلطات، وإقصاء الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وفرض واقع سياسي لا يسمح بالمحاسبة أو الرقابة، فيما يصر الرئيس على أنه يخوض معركة ضد الفساد ومحاولات تفكيك الدولة.

 

لكن بعد مرور خمس سنوات على التدابير الاستثنائية، يرى خصوم سعيد أن النتائج تكشف فشل مشروعه، إذ لم تتحسن مؤشرات الاقتصاد، ولم تتراجع البطالة، ولم تتوقف أزمات الغذاء والطاقة والمياه، بينما ازدادت الاعتقالات والمحاكمات ذات الطابع السياسي.

 

 

الكهرباء والمياه تشعلان الغضب

 

يربط منظمو المسيرة بين الأزمة السياسية والفشل في إدارة الملفات الخدمية، مؤكدين أن غياب المؤسسات الرقابية والمحاسبة السياسية أدى إلى تراجع أداء الدولة، وترك المواطنين في مواجهة انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه وسط موجة حر شديدة.

 

وتسببت انقطاعات التيار الكهربائي في أضرار واسعة للشركات والمشروعات الصغيرة، التي لم تعد قادرة على تحمل خسائر توقف الإنتاج أو تلف السلع والمعدات، في ظل غياب أي تعويضات أو خطط حكومية واضحة لمعالجة الأزمة.

 

كما يعاني المواطنون من اضطراب التزود بالمياه في عدد من المناطق، وهو ما زاد معاناة الأسر خلال فصل الصيف، وسط شكاوى من ضعف شبكات التوزيع، وغياب الصيانة، وتدهور البنية التحتية التي لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

 

ولم تقتصر الأزمة على الكهرباء والمياه، بل امتدت إلى القطاع الصحي، الذي يعاني نقص الإمكانات والأدوية وتراجع مستوى الخدمات، إضافة إلى تدهور الوضع البيئي وانتشار التلوث والنفايات في مناطق عدة.

 

ويقول المحتجون إن الحكومة لم تقدم تفسيرات مقنعة لأسباب الانقطاعات، ولم تعلن خططاً عاجلة لإنقاذ الاقتصاد أو حماية الفئات الأكثر فقراً، بينما تواصل الأسعار ارتفاعها بصورة ترهق المواطن البسيط وتدفع آلاف الأسر نحو مزيد من الفقر والاستدانة.

 

كما تشهد الأسواق نقصاً متكرراً في بعض السلع الأساسية، في وقت تتراجع فيه قيمة الدخول الحقيقية، وتزداد تكلفة الغذاء والسكن والنقل والخدمات، من دون زيادات كافية في الأجور أو برامج حماية اجتماعية قادرة على امتصاص آثار الأزمة.

 

ويرى مراقبون أن الغضب لا يعود فقط إلى صعوبة الأوضاع الاقتصادية، بل إلى شعور واسع بأن السلطة لا تستمع إلى المواطنين، ولا تعترف بحجم الفشل، وتتعامل مع الانتقادات باعتبارها مؤامرات سياسية بدلاً من النظر إليها بوصفها تحذيراً من انفجار اجتماعي محتمل.

 

 

قمع المعارضة ومحاكمات سياسية

 

بالتوازي مع تفاقم الأزمات المعيشية، تواصل السلطات التونسية ملاحقة عشرات السياسيين والنشطاء ورجال الأعمال، بتهم تشمل التآمر على أمن الدولة والفساد المالي والإرهاب، وهي قضايا تقول المعارضة إنها ذات دوافع سياسية وتهدف إلى إسكات أي صوت معارض.

 

وتتهم القوى المشاركة في المسيرة حكومة قيس سعيد بالتركيز على التضييق على الحريات وملاحقة السياسيين والصحافيين والمحامين، بدلاً من معالجة البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.

 

وطالبت أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني بوقف المحاكمات السياسية، وإطلاق سراح المعتقلين، وفتح المجال العام أمام حرية التعبير والعمل الحزبي والنقابي، محذرة من أن تونس تحولت إلى ما يشبه «السجن المفتوح».

 

وتقول المعارضة إن القضاء أصبح جزءاً من الصراع السياسي بعد سلسلة من الإجراءات والقرارات التي أضعفت استقلاله، بينما يخشى كثيرون من التعبير عن آرائهم بسبب اتساع دائرة الملاحقات والتهم المرتبطة بأمن الدولة.

 

ويرى المحتجون أن مواجهة الأزمة لا يمكن أن تتم من خلال مزيد من الاعتقالات أو الخطابات التي تتهم الخصوم بالخيانة، بل عبر حوار وطني شامل يعيد بناء المؤسسات الدستورية، ويضمن الفصل بين السلطات، ويحمي الحريات العامة.

 

وتأتي مسيرة «يزي من العبث» لتؤكد أن الغضب في تونس لم يعد مقتصراً على الأحزاب، بل بات يمتد إلى شرائح واسعة من المجتمع المتضررة من الغلاء والبطالة وانهيار الخدمات.

 

ويبدو أن ذكرى 25 يوليو تتحول من مناسبة تحتفل بها السلطة باعتبارها بداية «مسار جديد»، إلى موعد تستعيد فيه المعارضة ما تصفه بانقلاب على الديمقراطية، وتطالب بإنهاء الحكم الفردي وإعادة البلاد إلى مسار سياسي يضمن المشاركة والمحاسبة.

 

ومع غياب الحلول الرسمية واستمرار تدهور الأوضاع، تواجه سلطة قيس سعيد اختباراً جديداً في الشارع، حيث يرفع المحتجون رسالة واضحة: لا يمكن إدارة تونس بالقمع والشعارات، ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر بينما تنقطع عنهم الكهرباء والمياه، وتتآكل أجورهم، وتُغلق أمامهم أبواب العمل والحرية.