أثار قرار إداري صادر عن مستشفى أسوان الجامعي جدلًا بشأن مدى توافقه مع القواعد المنظمة لعلاج حالات الطوارئ والحوادث بالمجان، بعدما قصر المستشفى الاستفادة من خدمات الأشعة المجانية في أقسام الطوارئ على مصابي الحوادث الجماعية، مع إلزام المصابين في «الحوادث الفردية» بسداد قيمة الأشعة.
ويستند المستشفى في الإجراء إلى محاولة الحد مما وصفه مديره التنفيذي بـ«سوء استخدام» وصف الطوارئ، إلى جانب ضغوط مالية ومديونيات متراكمة تواجه المنشأة. في المقابل، يرى حقوقيون ومسؤولون بوزارة الصحة أن تحديد مجانية الخدمة بحسب كون الحادث فرديًا أو جماعيًا لا يتفق مع القواعد المنظمة لعلاج الطوارئ، وأن بعض الإصابات التي اعتبرها القرار خارج نطاق المجانية تدخل بالفعل ضمن الحالات الطارئة.
قرار إداري يثير الجدل
صدر القرار عن المدير التنفيذي لمستشفيات جامعة أسوان، أشرف معبد، في الأول من سبتمبر الجاري، ونص على إلزام مصابي الحوادث الفردية بتوريد رسوم الأشعة إلى خزانة المستشفى، مع استثناء الحالات الضرورية غير القادرة التي يحددها الطبيب المعالج بقسم الطوارئ.
وبحسب القرار، فإن خدمات الأشعة التي يحصل عليها مصاب حادث جماعي تظل مجانية، بينما يتحمل المصاب في حادث فردي تكلفتها، إلا إذا رأى الطبيب أن الحالة تستدعي الاستثناء لعدم قدرة المريض على السداد.
ويفتح هذا التفريق باب التساؤل حول معيار تحديد الحالة الطارئة، وما إذا كان عدد المصابين في الواقعة يمكن أن يكون أساسًا لتحديد حق المريض في الحصول على الخدمة الطبية دون مقابل.
فالطوارئ الطبية ترتبط، وفق التعريفات الطبية والتنظيمية، بطبيعة الإصابة وحاجة المريض إلى التدخل السريع، وليس بعدد الأشخاص الذين تعرضوا للحادث نفسه.
ماذا يقول قرار رئيس الوزراء؟
يرتبط الجدل بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1063 لسنة 2014، الذي ألزم المنشآت الطبية الجامعية والخاصة والاستثمارية، إلى جانب المستشفيات التابعة لقطاع الأعمال والشركات، بتقديم العلاج والرعاية الطبية لحالات الطوارئ والحوادث بالمجان لمدة 48 ساعة، دون تحميل المريض أي مقابل مالي خلال هذه الفترة.
ولا يقتصر القرار على نوع محدد من المستشفيات، إذ يشمل الجهات الطبية التي حددها القرار، بما فيها المنشآت الجامعية.
كما نظم القرار الإجراءات الواجب اتباعها بعد انتهاء مدة الـ48 ساعة، إذ يخيّر المريض أو ذويه بين استمرار العلاج في المستشفى على نفقتهم الخاصة أو نقله إلى أقرب منشأة طبية حكومية.
ووضع القرار كذلك ضوابط لنقل المريض، إذ لا يجوز للمنشأة أن تنقله أو تمتنع عن إسعافه إلا بعد التنسيق الكامل مع غرف الطوارئ المركزية والإقليمية، بما يضمن توفير مكان مناسب لحالته.
وتتحمل الدولة، وفق القرار، التكاليف المالية الناتجة عن تقديم الخدمات الطبية خلال فترة الطوارئ من موازنة العلاج على نفقة الدولة.
وبالتالي، فإن الأصل الذي يقرره النص هو توفير الرعاية اللازمة للمريض خلال فترة الطوارئ، وليس تحميله قيمة خدمة طبية لازمة لتشخيص إصابته واستقرار حالته.
إدارة المستشفى تبرر فرض الرسوم
من جانبه، أقر أشرف معبد صدور القرار، لكنه نفى أن يكون المستشفى قد امتنع عن تقديم الخدمات المجانية لحالات الطوارئ.
وأوضح أن الهدف من الإجراء هو معالجة ما اعتبره «سوء استخدام» لمصطلح الطوارئ، مشيرًا إلى أن بعض الإصابات التي تصل إلى قسم الطوارئ لا تمثل، من وجهة نظر الإدارة، خطرًا مباشرًا على حياة المصاب.
وضرب مثالًا بالإصابات الفردية الناتجة عن مشاجرات أو بعض الكسور غير المفتوحة، إلى جانب إصابات قد تحدث نتيجة سقوط شخص على الأرض، معتبرًا أن هذه الحالات لا تكون بالضرورة طوارئ مهددة للحياة.
في المقابل، قال إن الحالات التي يرى الطبيب أنها ضرورية تستحق الاستثناء، خاصة إذا لم يكن للمصاب مرافق، مثل بعض المصابين في حوادث الطرق.
لكن مبررات القرار لا تتوقف عند الجانب الطبي، إذ أقر المدير التنفيذي بوجود دافع مالي وراء الإجراء، في ظل الضغوط التي تواجهها مستشفيات جامعة أسوان.
وأشار معبد إلى أن المستشفى يعاني مديونية متراكمة لصالح هيئة الشراء الموحد تبلغ نحو 400 مليون جنيه، بالتزامن مع مطالبته بتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي وتوفير الموارد اللازمة لاستمرار العمل.
وأضاف أن الإدارة تسعى إلى زيادة موارد المستشفى في ظل هذه الالتزامات المالية، وهو ما يفسر، بحسب حديثه، أحد دوافع فرض الرسوم على بعض خدمات الأشعة.
تجاوزات ألغت الأشعة المجانية
وربط معبد القرار أيضًا بما وصفه بتجاوزات داخل المستشفى، قائلًا إن بعض العاملين كانوا يجرون أشعات مجانية لأقاربهم تحت بند الطوارئ.
وبحسب روايته، أدى ذلك إلى ارتفاع نسبة الأشعة المجانية في المستشفى إلى نحو 80%، بينما أشار إلى أن الحد المسموح به في المستشفيات الجامعية يبلغ 25%.
وتقدم هذه الأرقام أحد الأسباب التي تستند إليها الإدارة في محاولة إعادة ضبط استخدام خدمات الأشعة داخل قسم الطوارئ.
غير أن وجود مخالفات أو إساءة استخدام من بعض العاملين يطرح بدوره سؤالًا حول آلية التعامل معها: هل تكون من خلال تشديد الرقابة على المستفيدين المستحقين والعاملين، أم عبر وضع قيود عامة قد تؤثر على مرضى تنطبق عليهم شروط الحصول على الخدمة المجانية؟.
وهنا تحديدًا يتركز الخلاف بين الإدارة ومنتقدي القرار، إذ يرى الطرف الثاني أن ضبط التجاوزات المالية لا ينبغي أن يؤدي إلى تحميل مرضى الطوارئ تكاليف خدمات تدخل ضمن الرعاية اللازمة لحالاتهم.
حقوقيون يرفضون التفريق بين المصابين
رفض الدكتور علاء غنام، مسؤول ملف الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مبررات المستشفى، واعتبر أن التعليمات تمثل «تحايلًا صريحًا» على قرار رئيس مجلس الوزراء.
وأوضح لـ«المنصة» أن مجانية علاج الطوارئ لمدة 48 ساعة تنطبق على الإصابة ذاتها، بصرف النظر عن كونها ناتجة عن حادث فردي أو جماعي.
وبحسب غنام، فإن الكسور غير المفتوحة وإصابات المشاجرات يمكن أن تدخل ضمن الحالات الطارئة، وبالتالي لا يصح استخدام طبيعة الواقعة أو عدد المصابين معيارًا منفردًا لتحديد ما إذا كانت الخدمة مجانية.
كما رفض اعتبار ضعف ميزانية المنشأة أو ارتفاع مديونياتها مبررًا لتحميل المريض تكلفة العلاج، مؤكدًا أن الالتزام بتوفير الرعاية الطارئة يظل قائمًا وفق القرار المنظم لهذه الخدمات.

