كشف عضو مجلس النواب محمد فؤاد تراجع إنتاج الغاز الطبيعي في مصر من 4.8 مليار قدم مكعبة يوميا خلال يونيو 2024 إلى 3.6 مليار في يوليو 2026، بانخفاض يقارب 25%، بما يبدد وعود التعافي القريب.

 

ويضع هذا التراجع ملايين المصريين أمام فاتورة جديدة من الغلاء والانقطاعات المحتملة، بينما تواصل الحكومة تسويق بيانات متفائلة لا تسندها مؤشرات الإنتاج، وتحمّل المواطنين كلفة إخفاقات الإدارة والديون والاستيراد بالدولار.

 

وبحسب فؤاد، تتسع فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي، إذ تتحدث الوزارة عن زيادات مرتقبة، بينما يواصل الإنتاج هبوطه شبه الشهري، من دون اكتشافات ضخمة تستطيع قلب المسار خلال الأجل القريب.

 

وفي المقابل، تشير بيانات مايو 2026 إلى تراجع الإنتاج بنسبة 7.4% على أساس سنوي، ليسجل 3.74 مليار قدم مكعبة يوميا، مقارنة بنحو 4.04 مليار خلال الشهر نفسه من العام السابق.

 

ومن ناحية أخرى، يعكس النزول إلى 3.6 مليار قدم مكعبة في يوليو استمرار فقدان القدرة المحلية على تلبية الطلب، خصوصا مع ارتفاع استهلاك الكهرباء والصناعة، واتساع الحاجة إلى تدبير شحنات خارجية مرتفعة الكلفة.

 

وفوق ذلك، تراجع الإنتاج من حقول متقادمة بفعل الانخفاض الطبيعي، بينما لم تنجح خطط التنمية والصيانة في تعويض الكميات المفقودة بالسرعة المطلوبة، وهو ما حوّل العجز المؤقت إلى أزمة ممتدة.

 

وفي هذا السياق، كانت مصر قد مرت بدورة هبوط بين 2011 و2015، قبل أن تنقذها اكتشافات كبيرة رفعت الإنتاج، لكن المشهد الحالي يفتقر إلى كشف مماثل يضمن استعادة التوازن بسرعة.

 

وعلى خلاف التصريحات المتفائلة، لا تزال الاكتشافات المعلنة محدودة قياسا بحجم الفجوة اليومية، كما تحتاج الآبار الجديدة إلى استثمارات وزمن وربط بالشبكات قبل أن تتحول نتائج الحفر إلى غاز متاح للمستهلكين.

 

ولهذا، تبدو وعود القفز بالإنتاج إلى مستويات مرتفعة خلال فترة قصيرة أقرب إلى أهداف دعائية منها إلى خطة قابلة للقياس، ما لم تنشر الحكومة جداول تنفيذ واضحة وبيانات شهرية مستقلة.

 

فجوة لا تسدها الوعود

 

يرى مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي يتطلب إنتاجا يقارب 7.3 مليار قدم مكعبة يوميا، بما يعني ضرورة إضافة نحو 3.5 مليار بحلول 2030.

 

وبناء على ذلك، فإن الاكتشافات الحالية لا تكفي وحدها لسد الفجوة، خصوصا أن الغاز يمثل الوقود الأساسي لمحطات الكهرباء، وأي عجز ممتد ينعكس على تكلفة التوليد وأسعار السلع وقدرة المصانع.

 

كما يوضح يوسف أن الحقول المصرية لم تنضب بالكامل، لكنها تعرضت لاستنزاف متسارع في فترات تعطلت فيها أعمال التنمية، بسبب تأخر المستحقات وتراجع الاستثمارات، فهبط الإنتاج قبل دخول بدائل كافية.

 

ومن ثم، تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن ترك الفجوة تتسع، بعدما أخرت سداد مستحقات الشركاء وراهنت على حقل واحد، ثم عادت لشراء الغاز بأسعار أعلى من الخارج لتغطية العجز المتزايد المكلف.

 

علاوة على ذلك، لا يقتصر أثر الاستيراد على قطاع الطاقة، بل يضغط على النقد الأجنبي والموازنة، ويزيد تكلفة الكهرباء والأسمدة والحديد والأسمنت، بما ينتقل سريعا إلى أسعار الغذاء والسكن والنقل.

 

ومع ذلك، تقدم السلطة سفن التغويز والعقود المتوسطة باعتبارها نجاحا في تأمين الإمدادات، بينما تكشف هذه الترتيبات أن الدولة تستعد لاعتماد أطول على الخارج، لا لتعاف سريع في الإنتاج المحلي.

 

وفي الوقت نفسه، يمنح استئجار وحدات التغويز لسنوات مؤشرا على أن الأزمة ليست موسمية، لأن بناء قدرة استقبال دائمة يعني توقع استمرار الفجوة، وتخصيص موارد دولارية سنوية كبيرة لخدمة الواردات.

 

لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس قدرة الحكومة على شراء الشحنات، بل قدرة الاقتصاد المنهك على تحملها طويلا، خاصة مع ارتفاع خدمة الدين وتراجع الإيرادات الدولارية، واحتياجات القمح والدواء ومستلزمات الإنتاج.

 

وبالمثل، فإن ربط أمن الكهرباء بإمدادات خارجية يعرض المواطنين مباشرة لمخاطر الأسعار العالمية واضطراب الممرات والنزاعات الإقليمية المتكررة طويلا، بعدما كان الخطاب الرسمي يروّج لمصر باعتبارها مركزا إقليميا لتصدير الطاقة.

 

الاستيراد يتحول إلى إقامة

 

يؤكد جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن مناطق شمال غرب البحر المتوسط واعدة، وأن تكثيف الحفر وتنمية الحقول القائمة يمكن أن يرفع القدرات ويسهم في سد جزء من العجز.

 

لكن القليوبي يربط أي تحسن فعلي بسرعة تطوير الاكتشافات وربطها بالبنية الأساسية، وهو شرط لا يتحقق بالبيانات الصحفية المتكررة، بل باستثمارات مستمرة وحفر منتظم وسداد مستحقات الشركات كاملة دون تأخير.

 

وبالرغم من ذلك، تظل الكميات الجديدة المعلنة أقل من الانخفاض المتراكم، لأن إضافة عشرات الملايين من الأقدام المكعبة لا تعوض فجوة تتجاوز مليارات الأقدام، خصوصا مع نمو الطلب المحلي سنويا.

 

في المقابل، يرى ثروت راغب، خبير هندسة البترول، أن الاكتشافات القريبة من البنية القائمة يمكن ربطها بسرعة، بما يقلل الكلفة ويساعد على إضافة إنتاج جديد مؤثر في توقيت شديد الحساسية.

 

وعليه، فإن جدوى هذه الاكتشافات تتوقف على حجم الاحتياطيات واستدامة التدفق الفعلي، لا على رقم الإنتاج الأولي وحده، لأن كثيرا من الآبار تبدأ بمعدلات مرتفعة ثم تتراجع مع مرور الوقت.

 

اكتشافات دون أثر حاسم

 

وبالتالي، تحتاج مصر إلى سياسة تجمع بين التنقيب وترشيد الاستهلاك وتطوير الشبكات وزيادة الطاقة المتجددة، بدلا من اختزال الأزمة في شراء الشحنات أو انتظار كشف ضخم قد لا يأتي قريبا.

 

أما في ملف النفط، فإن غياب بيانات منفصلة ومحدثة عن الخام والمكثفات يمنع تقييما مستقلا للأداء، ويجعل الحديث عن بلوغ أعلى إنتاج منذ عامين ادعاء ناقصا يصعب التحقق من تفاصيله.

 

وفي ضوء ذلك، يصبح نشر أرقام شهرية للإنتاج والاستهلاك والواردات والمستحقات ضرورة عامة عاجلة، لا ترفا فنيا، لأن المواطنين يدفعون ثمن القرارات مباشرة من فواتير الكهرباء والأسعار والضرائب وتراجع الخدمات.

 

وأخيرا، تكشف أزمة الغاز أن المشكلة ليست نقص الموارد فقط، بل إدارة تقوم على التعتيم والوعود المتضخمة وتأجيل الاعتراف بالعجز، حتى تتحول الأخطاء المتراكمة إلى فاتورة دولارية يدفعها المصريون وحدهم.