رأى الكاتب أليكس باتاكوس أن التفاؤل الحقيقي يتجاوز مجرد التفكير الإيجابي أو النوايا الحسنة، مؤكدًا أن طريقة تفكيرنا تحدد إلى حد كبير قدرتنا على مواجهة ما تلقيه الحياة في طريقنا. وفي ظل عالم يشهد تغيرات سريعة وتحديات سياسية واجتماعية واقتصادية متزايدة، تصبح القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة مرتبطة بدرجة كبيرة بالعقلية التي نختارها وبالموقف الذي نتبناه تجاه ما يحدث حولنا.
 

وتناول الكاتب في مقال نشره موقع سايكولوجي توداي مفهوم التفاؤل الحقيقي ودوره في مواجهة تحديات الحياة والتعامل مع الظروف التي تفوق قدرتنا على السيطرة. واستند الكاتب إلى أفكار الطبيب النفسي والناجي من المحرقة النازية فيكتور فرانكل، الذي اشتهر بتأكيده أن الإنسان يحتفظ دائمًا بالحرية الأخيرة، وهي حرية اختيار موقفه تجاه الظروف التي يمر بها، حتى عندما يعجز عن تغيير تلك الظروف نفسها.



العقلية تحدد قدرتنا على مواجهة تحديات الحياة

 



أوضح باتاكوس أن الإنسان بطبيعته يميل إلى العيش داخل أنماط مألوفة، إذ يعتمد على الروتين وطرق التفكير التي اعتادها، ومع تكرار هذه الأنماط تتحول إلى مسارات ذهنية تلقائية تشبه الطريق الذي يتشكل في العشب نتيجة السير فيه مرارًا. ومع مرور الوقت، قد يعتقد الإنسان أن هذه الطريقة في التفكير والتصرف ضرورية ولا يمكن تغييرها، فيقع أسيرًا لقناعات تحد من قدراته وإمكاناته.



وأشار الكاتب إلى أن هذه الأنماط الذهنية قد تدفع الإنسان إلى النظر إلى نفسه باعتباره عاجزًا أمام الظروف والقوى الخارجية، ما يصعّب عليه إدراك قدرته على التأثير في واقعه أو المشاركة في تشكيله. وهكذا، يتحول الإنسان إلى ما وصفه فرانكل بـ«سجين أفكاره»، فيفقد تدريجيًا الإحساس بقدرته الطبيعية على الاختيار والتغيير.



وأكد باتاكوس، انسجامًا مع أفكار فرانكل، أن الإنسان يحتفظ، مهما بدت ظروفه صعبة أو يائسة، بالقدرة على اختيار موقفه منها. وتظل هذه المسؤولية شخصية لا يمكن نقلها إلى شخص آخر، كما تشكل أساسًا مهمًا لقدرة الإنسان على التعامل مع تحديات الحياة والاستجابة للتغيرات التي تطرأ على حياته الشخصية أو على المجتمع من حوله.



ويرى الكاتب أن الحياة لا تحدث لنا، بل إننا نشارك في تشكيل الطريقة التي نعيش بها هذه الحياة ومنحها معنى. ومن خلال تغيير طريقة التفكير والبدء باختيار الموقف الذي نتخذه تجاه الأحداث، يستطيع الإنسان أن ينتقل من موقع المتلقي السلبي للظروف إلى شخص أكثر قدرة على الاستجابة لها وتحمل مسؤولية أفعاله.


فيكتور فرانكل والتفاؤل الحقيقي في مواجهة الألم

 


أشار باتاكوس إلى أن الإنسان يمر طوال حياته بأوقات مليئة بالفرح وأخرى مثقلة بالحزن والألم، وأن الرغبة في عيش اللحظات السعيدة وحدها لا تتوافق مع طبيعة الحياة الإنسانية. فالحياة تجمع بين المتناقضات، مثل الليل والنهار، والصحة والمرض، والثراء والفقر، لأن معرفة أحد طرفي التجربة تساعد الإنسان على فهم الطرف الآخر وإدراك قيمته.
 

وأوضح أن القدرة على مواجهة تحديات الحياة وبناء المرونة النفسية تنمو من خلال تقبل الحياة في صورتها الكاملة، بما تحمله من لحظات جيدة وأخرى مؤلمة. ومن هذا المنظور، لا يعني التفاؤل الحقيقي تجاهل الواقع أو إنكار المعاناة، بل يعني اختيار موقف يساعد الإنسان على التعامل معها بطريقة أكثر فاعلية.
 

وأكد الكاتب أن التفاؤل الحقيقي يبدأ باختيار موقف إيجابي تجاه الوضع القائم، ثم الانتقال إلى تخيل الاحتمالات التي يمكن أن تنشأ من هذا الموقف، وأخيرًا تحويل هذا التصور إلى طاقة وشغف يدفعان الإنسان إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ما يراه ممكنًا.
 

وبذلك، يختلف التفاؤل الحقيقي عن مجرد التفكير الإيجابي أو تكرار العبارات التحفيزية. فالعبارات الإيجابية والنوايا الحسنة وحدها لا تكفي، إذ يحتاج الإنسان إلى رؤية الاحتمالات التي يمكن أن تنتج عن موقفه، وإلى الشعور بالحماس والدافع اللذين يساعدانه على تحويل هذه الاحتمالات إلى واقع ملموس.
 

كيف يساعد اختيار الموقف على تجاوز تحديات الحياة؟
 

 

يرى باتاكوس أن الإنسان قد لا يمتلك الحرية الكاملة في تغيير الظروف التي تحيط به، سواء في حياته الشخصية أو المهنية، لكنه يستطيع في كثير من الأحيان أن يختار الطريقة التي يستجيب بها لهذه الظروف. ومن هنا، تصبح الحرية الحقيقية كامنة في الداخل، وفي القدرة على اتخاذ موقف واعٍ بدلًا من الاستسلام للشعور بالعجز.
 

ويشير الكاتب إلى أن الإنسان قد يواجه أحداثًا لا يستطيع التحكم فيها، مثل التحولات السياسية المفاجئة أو الأزمات الاجتماعية والاقتصادية أو التغيرات التي تعيد تشكيل حياته اليومية. لكن هذه الظروف، مهما بلغت صعوبتها، لا تلغي قدرته على البحث عن معنى أو اختيار الطريقة التي سيتعامل بها معها.
 

ويطرح هذا التصور سؤالًا مهمًا: هل نستطيع التحرر من السجن العقلي الذي تصنعه أفكارنا ومعتقداتنا؟ ويرى باتاكوس أن الإجابة تبدأ من إدراك الإنسان لقدرته على الاختيار، ثم استخدام هذه القدرة لبناء رؤية أكثر تفاؤلًا وواقعية لما يمكن أن يحدث.
 

وفي النهاية، لا يعني التفاؤل الحقيقي أن نتوقع دائمًا أفضل النتائج أو نتجاهل المخاطر والمعاناة، بل يعني أن نواجه الواقع كما هو، ثم نبحث داخله عن المساحة التي لا تزال متاحة للاختيار والفعل. فحين يختار الإنسان موقفه، ويتخيل ما يمكن تحقيقه، ثم يتحرك بشغف نحو هذا الاحتمال، فإنه يستعيد جزءًا من قدرته على التعامل مع الحياة بدلًا من الشعور بأنه أسير لما تفرضه عليه الظروف.
 

وبحسب رؤية الكاتب، تكمن مفاتيح التحرر من السجون التي تصنعها الظروف والأفكار داخل الإنسان نفسه وفي متناول يده. لذلك، لا يتمثل التفاؤل الحقيقي في الاعتقاد بأن الحياة ستكون سهلة، بل في الإيمان بأن الإنسان يستطيع، حتى وسط أصعب الظروف، أن يختار موقفه، وأن يجد معنى لما يعيشه، وأن يتحرك نحو ما يزال ممكنًا.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-meaningful-life/202607/coping-with-lifes-challenges-using-true-optimism