تتصاعد حالة الغضب الشعبي في تونس مع تكرار انقطاعات المياه والكهرباء وارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد الأساسية، بالتوازي مع استمرار الأزمة السياسية وتراجع الثقة في قدرة السلطة على تقديم حلول عاجلة.
ومع اتساع دائرة الانتقادات للرئيس قيس سعيّد ومسار الحكم الذي بدأ بإجراءات 25 يوليو 2021، بدأت قوى سياسية ومدنية وشخصيات معارضة تطرح علنًا ضرورة الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة، معتبرة أن السلطة أخفقت في الوفاء بوعود تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وإصلاح مؤسسات الدولة.
انهيار الخدمات يفاقم الغضب
تحولت أزمة الخدمات الأساسية إلى العنوان الأبرز في حياة التونسيين، بعد تكرار انقطاعات الكهرباء والمياه في عدد من المناطق، بالتزامن مع موجات الحر وارتفاع كلفة المعيشة. ويرى معارضون أن هذه الأزمات لم تعد مجرد أعطال فنية عابرة، بل أصبحت مؤشرًا على ضعف الإدارة وغياب الاستعداد والتخطيط، وسط نقص في التواصل الرسمي وعدم تقديم تفسيرات مقنعة للمواطنين.
وقال القيادي في جبهة الخلاص الوطني عز الدين الحزقي إن السلطة فقدت صلاحيتها بعد سنوات من الحكم دون التوصل إلى حلول للأزمات المتراكمة، معتبرًا أن رحيل المنظومة الحالية أصبح، من وجهة نظره، واجبًا وطنيًا. وأكد أن العجز عن ضمان الكهرباء والمياه والخدمات اليومية انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، وأسهم في اتساع مساحة الغضب والرفض الشعبي.
وأشار الحزقي إلى أن المناخ السياسي أصبح أكثر توترًا بفعل خطابات التخوين والإقصاء، في وقت تضم فيه تونس، بحسب قوله، كفاءات وشخصيات وشبابًا قادرين على قيادة مرحلة إصلاحية جديدة. ورفض الخطاب الذي يروّج لعدم وجود بديل عن السلطة الحالية، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب مسار سياسي منظم قادر على ترجمة الاحتقان الشعبي إلى مشروع تغيير واضح.
من جانبها، قالت الناشطة ناجية العجيمي إن الأزمة باتت تمس جميع فئات المجتمع، في ظل ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية واستمرار القيود السياسية والاعتقالات. وانتقدت تحميل المسؤولية لمسؤولي المؤسسات الخدمية وحدهم، مؤكدة أن السلطة التنفيذية تتحمل مسؤولية الاستعداد للأزمات ووضع خطط تمنع تكرارها.
وترى قطاعات من المعارضة أن غياب خطاب رسمي صريح يشرح أسباب الانقطاعات وحقيقة الوضع الاقتصادي ساهم في زيادة الاحتقان، إذ يشعر المواطنون بأن الدولة لا تقدم معلومات كافية ولا تملك رؤية واضحة للخروج من الأزمة.
المعارضة تبحث مرحلة ما بعد سعيّد
مع اتساع الاحتجاجات، انتقل خطاب عدد من المعارضين من انتقاد الأداء الحكومي إلى الحديث بصورة مباشرة عن الاستعداد لمرحلة ما بعد قيس سعيّد. وقال القيادي في الحزب الجمهوري المولدي الفاهم إن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التدهور، وإن المزاج العام بدأ يتغير حتى داخل بعض الفئات التي ساندت السلطة في السابق.
واعتبر الفاهم أن هناك شبه إجماع على فشل الرئيس في إدارة الأزمة، محذرًا من أن التمسك بالسلطة في ظل غياب الحلول قد يحولها إلى جزء رئيسي من المشكلة. ودعا إلى عقد مؤتمر وطني جامع يضع تصورًا للمرحلة المقبلة، ويعيد الاعتبار لمكتسبات الثورة، ويضمن التداول السلمي للسلطة.
واستحضر الفاهم تجربة حركة 18 أكتوبر 2005، التي جمعت تيارات سياسية وفكرية مختلفة قبل الثورة، معتبرًا أن تونس قادرة مرة أخرى على بناء جبهة سياسية واسعة لا تقوم على الإقصاء. وأشار إلى أن الاحتجاجات السابقة، من الحوض المنجمي عام 2008 إلى انتفاضات المدن، مهدت الطريق لثورة يناير 2011.
بدورها، قالت عضوة التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين زينب المرايحي إن المسيرة الأخيرة ضمت طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمدنية، وكانت من أكبر التحركات المعارضة من حيث عدد المشاركين وتنوع انتماءاتهم. وأضافت أن مطلب رحيل قيس سعيّد أصبح عاملًا مشتركًا بين أطراف كانت متباعدة سياسيًا.
وأكدت المرايحي أن التونسيين لم يلمسوا تحسنًا حقيقيًا في أوضاعهم المعيشية، في حين رفعت الاحتجاجات مطالب تتعلق بالعيش الكريم والحريات وتحسين الخدمات. ورأت أن استمرار أزمة المياه والكهرباء يمس الحياة اليومية والأمن الاجتماعي، داعية إلى فتح باب إنقاذ وطني شامل.
الشارع يتحول إلى ساحة التغيير
يؤكد ناشطون وسياسيون أن الشارع بات المجال الأساسي للتعبير عن رفض مسار الحكم الحالي، في ظل ضعف قنوات الحوار السياسي واستمرار القيود على المعارضة. وقال منسق ائتلاف صمود والعضو المؤسس في «حراك نفس» حسام الحامي إن صفة المواطنة جمعت المشاركين في التحركات الأخيرة رغم اختلافاتهم الأيديولوجية.
وأوضح الحامي أن جزءًا مهمًا من التونسيين أصبح متفقًا على التقييم السلبي لمسار 25 يوليو، سواء بسبب الحكم الفردي أو تراجع الحريات أو العجز عن معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وأضاف أن المحتجين يرفضون التضييق على الفضاء العام وسجن الخصوم السياسيين ومصادرة الرأي المخالف.
وأكد أن توحيد القوى المعارضة يحتاج إلى أفق سياسي واضح يحول الشعارات إلى مطالب قابلة للتنفيذ، محذرًا من أن تجاهل السلطة للاحتجاجات سيقود إلى موجات جديدة من التحرك الشعبي. وطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء المرسوم رقم 54 وتهيئة المناخ لانتخابات شفافة.
من جهتها، قالت النائبة السابقة منية إبراهيم إن الدولة تمر بأزمة خانقة انعكست مباشرة على حياة التونسيين، معتبرة أن سنوات الحكم الفردي لم تحقق المطالب الأساسية. وأشارت إلى أن المرافق العامة واصلت عملها حتى خلال أحداث الثورة، بينما تواجه البلاد اليوم تراجعًا حادًا في الخدمات.
ورغم استبعادها رحيل السلطة قريبًا بسبب الصلاحيات الواسعة التي يمتلكها الجهاز التنفيذي، أكدت إبراهيم أن اتساع الأزمة قد يغير موازين الشارع. ومع استمرار الانقطاعات وارتفاع الأسعار والاحتقان السياسي، تبدو تونس أمام مرحلة مفتوحة على مزيد من الاحتجاج، بينما تتزايد الدعوات إلى حل سياسي يوقف التدهور ويعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة.

