كشفت وزارة المالية في مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 و2027 عن تخصيص 2.419 تريليون جنيه لسداد فوائد الديون، بما يعادل 46.7% من إجمالي الإنفاق الحكومي، لتصبح فوائد الدين أكبر بند منفرد في المصروفات العامة، رغم استمرار تعهدات الحكومة بخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

 

ويعكس هذا التوزيع المالي اتجاها يجعل سداد فوائد القروض يتقدم على احتياجات المواطنين الأساسية، بينما تتراجع قدرة الدولة على توجيه موارد أكبر للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، في وقت تواجه فيه الأسر موجات متلاحقة من الغلاء وتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة.

 

فوائد تتصدر الإنفاق

 

وبداية من قراءة أرقام الموازنة، تستحوذ فوائد الديون على 46.7% من إجمالي الإنفاق العام، وهو ما يعني أن ما يقرب من نصف المصروفات الحكومية يذهب إلى خدمة الدين قبل توجيه الأموال إلى بقية القطاعات والبرامج العامة.

 

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها تستهدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 84% خلال العام المالي الماضي إلى 78% بنهاية العام المالي الجاري، باعتبار ذلك أحد أهم أهداف السياسة المالية.

 

غير أن بيانات الموازنة نفسها تظهر استمرار صعود فاتورة الفوائد، بعدما ارتفعت إلى 2.419 تريليون جنيه خلال العام المالي 2026 و2027، مقابل نحو 2.3 تريليون جنيه في العام المالي السابق، بزيادة بلغت 119 مليار جنيه على أساس سنوي.

 

كما تكشف المقارنة مع موازنة العام المالي 2022 و2023 أن فوائد الديون ارتفعت بنسبة 212.13% خلال أربع سنوات فقط، وهو معدل يعكس التسارع الكبير في تكلفة الاقتراض الحكومي.

 

وبحسب الأرقام الرسمية، انخفضت مخصصات فوائد الديون الخارجية المباشرة إلى 215.74 مليار جنيه، مقارنة بنحو 247.8 مليار جنيه في العام المالي السابق، إلا أنها لا تزال أعلى بكثير من مستوياتها قبل أربع سنوات.

 

وفي الوقت نفسه، ارتفعت الفوائد الخارجية التي تتحملها الجهات المختلفة إلى 814.2 مليار جنيه، بزيادة سنوية تقارب 50 مليار جنيه، مقارنة بنحو 517.5 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2022 و2023.

 

ولذلك، فإن تراجع أحد البنود لا يعني انخفاض العبء الكلي، لأن إجمالي تكلفة خدمة الدين يواصل الارتفاع عبر بنود متعددة داخل الموازنة العامة للدولة.

 

كما ارتفعت فوائد الديون المحلية بصورة أكثر حدة، إذ صعدت من 666.16 مليار جنيه خلال العام المالي 2022 و2023 إلى 2.204 تريليون جنيه في الموازنة الحالية، بمعدل زيادة تجاوز 230%.

 

وبناء على ذلك، أصبحت الديون المحلية تمثل المصدر الأكبر لتضخم فاتورة الفوائد، وهو ما يعكس اتساع اعتماد الحكومة على أدوات الاقتراض الداخلي لتمويل احتياجاتها المالية.

 

عبء يضغط الاقتصاد

 

ومن ناحية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن استمرار ارتفاع تكلفة خدمة الدين يحد من قدرة الموازنة على تمويل الإنفاق التنموي، لأن الموارد تتجه بصورة متزايدة إلى الوفاء بالالتزامات المالية بدلا من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

 

وفي السياق نفسه، ارتفعت فوائد سندات البنك المركزي إلى 191.61 مليار جنيه، مقارنة بنحو 23.7 مليار جنيه قبل أربع سنوات، بزيادة بلغت 167.91 مليار جنيه خلال تلك الفترة.

 

كذلك صعدت فوائد أذون الخزانة إلى نحو 1.2 تريليون جنيه، مقابل 870.5 مليار جنيه في العام المالي الماضي، وبزيادة تجاوزت 406% مقارنة بمستويات العام المالي 2022 و2023.

 

وعلى الجانب الآخر، انخفضت فوائد سندات الخزانة المصرية إلى 624.5 مليار جنيه، مقارنة بنحو 867 مليار جنيه في العام المالي السابق، لكنها لا تزال أعلى كثيرا من مستوياتها قبل أربع سنوات.

 

وبالتالي، فإن إعادة هيكلة أدوات الاقتراض لم تمنع استمرار الزيادة في إجمالي تكلفة الفوائد، بل أعادت توزيعها بين أنواع مختلفة من أدوات الدين الحكومية.

 

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن ارتفاع أسعار الفائدة محليا يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتضخم تكلفة الاقتراض، إذ تضطر الحكومة إلى إصدار أدوات دين بعوائد مرتفعة لجذب السيولة وتمويل احتياجاتها.

 

كما يؤدي هذا الوضع إلى مزاحمة القطاع الخاص على التمويل، لأن البنوك تجد في أدوات الدين الحكومية استثمارا مرتفع العائد ومنخفض المخاطر مقارنة بتمويل المشروعات الإنتاجية.

 

ولذلك، تتراجع قدرة الشركات على الحصول على التمويل المناسب، بينما ترتفع تكلفة الاقتراض على المستثمرين، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات الاستثمار وفرص العمل.

 

ومن ثم، تصبح خدمة الدين عبئا مزدوجا، فهي تستنزف الموازنة العامة من ناحية، وتؤثر في النشاط الاقتصادي من ناحية أخرى، عبر ارتفاع تكلفة التمويل وانخفاض الاستثمارات الجديدة.

 

المواطن يدفع الثمن

 

وفي قراءة أشمل، يؤكد الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن استمرار تضخم فوائد الديون يعني تضييق المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة لزيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية والدعم الاجتماعي.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل جنيه يوجه لسداد الفوائد يقلل القدرة على تمويل التعليم والصحة والإسكان والنقل والحماية الاجتماعية، وهي القطاعات التي يعتمد عليها ملايين المواطنين بصورة مباشرة.

 

كما تكشف بنية الموازنة أن الأولوية أصبحت لسداد الالتزامات المالية، بينما تتنافس بقية البنود على النصف المتبقي من الإنفاق العام، رغم اتساع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية.

 

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الحفاظ على الثقة في الاقتصاد وسداد الالتزامات المالية يمثلان ضرورة لضمان استمرار التمويل وتجنب اضطرابات الأسواق وارتفاع تكلفة الاقتراض بصورة أكبر.

 

غير أن المنتقدين يرون أن الاعتماد المتواصل على الاقتراض يؤدي إلى دائرة مغلقة، إذ تزداد الديون، ثم ترتفع فوائدها، ثم تضطر الدولة إلى اقتراض جديد لتغطية احتياجاتها، فتتكرر الأزمة بصورة أكبر.

 

وعلاوة على ذلك، فإن ارتفاع فوائد الدين يقلص قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات إنتاجية تحقق عائدا مستداما يساعد مستقبلا في تخفيض الاقتراض وتقليل أعبائه.

 

ولهذا، فإن الأرقام الواردة في الموازنة لا تعكس مجرد تطور محاسبي، بل تكشف تغيرا في أولويات الإنفاق، حيث أصبحت خدمة الدين تستحوذ على النصيب الأكبر من الموارد العامة.

 

وفي الوقت نفسه، لا يشعر المواطن العادي بتحسن يوازي هذا الحجم الضخم من الإنفاق، إذ تستمر أسعار السلع والخدمات في الارتفاع، بينما تواجه الأسر ضغوطا متزايدة لتلبية احتياجاتها الأساسية.

 

وبذلك، تتحول فوائد الديون إلى بند يلتهم الجزء الأكبر من الموازنة، بينما تتراجع قدرة الإنفاق العام على تحسين جودة الحياة أو تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية على الفئات الأكثر احتياجا.

 

وفي المحصلة، تكشف موازنة العام المالي 2026 و2027 أن فوائد الديون أصبحت تقترب من ابتلاع نصف الإنفاق الحكومي، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول استدامة السياسات التمويلية الحالية، وقدرتها على تحقيق التوازن بين سداد الالتزامات المالية وتلبية الاحتياجات المعيشية للمواطنين.