أعلنت شعبة المخابز بالغرفة التجارية في القاهرة ارتفاع سعر طن الدقيق الفاخر من 18 ألف جنيه إلى 20 ألفا، ما دفع مخابز سياحية بمحافظات عدة لزيادة سعر الرغيف حتى 50 قرشا وتحميل المستهلك كلفة جديدة.

 

وكشفت الزيادة أن ملايين الأسر الواقعة خارج مظلة الخبز المدعم تُترك أمام تسعير منفلت، بينما تكتفي الحكومة بتثبيت رغيف الدعم لنحو 69 مليون مواطن، من دون حماية مماثلة لمن يعتمدون على السوق الحرة يوميا.

 

الدقيق يشعل الأسعار

 

وقال خالد فكري، سكرتير شعبة المخابز بالقاهرة، إن قفزة الدقيق بنحو 2000 جنيه للطن رفعت كلفة الإنتاج مباشرة، موضحا أن الزيادة الفعلية قد تبلغ 25 قرشا للرغيف وتختلف حسب المنطقة والتشغيل والنقل.

 

وبحسب تصريحات فكري، فإن الحديث عن زيادة موحدة بنسبة 50 بالمئة غير دقيق، لأن كل مخبز يحدد سعره وفقا لتكاليفه، غير أن هذا التفاوت نفسه يكشف غياب تسعير واضح يحمي المشترين من المبالغة.

 

وفي المقابل، رصدت تقارير محلية مخابز رفعت بعض الأوزان بنحو 50 قرشا، وهو فارق كبير قياسا بسعر الرغيف السابق، ويعني أن الأسرة التي تشتري عدة أرغفة يوميا ستدفع عشرات الجنيهات الإضافية شهريا.

 

وبالتالي، لا تقف الأزمة عند حدود زيادة الدقيق، إذ تشمل الطاقة والوقود والعمالة والنقل، لكن انتقال كل ارتفاع مباشرة إلى المستهلك يعكس اختلالا يسمح للمنتج بتمرير التكلفة كاملة من دون رقابة كافية.

 

كما أن تفاوت السعر بين محافظة وأخرى يخلق سوقا بلا معيار معلن للوزن والسعر، ويضع المواطن أمام خيارين أحلاهما مر، إما دفع الزيادة أو شراء رغيف أقل وزنا وجودة لتقليل الإنفاق.

 

ولزيادة الضغط، تلجأ بعض المخابز إلى تقليص وزن الرغيف بدلا من إعلان زيادة صريحة، وهي ممارسة تجعل المستهلك يدفع السعر نفسه مقابل كمية أقل، بينما يصعب عليه التحقق من الوزن أو تقديم شكوى فعالة.

 

لذلك، تبدو تصريحات الشعبة عن خضوع الخبز لآليات السوق اعترافا بأن سلعة أساسية تُعامل كأي منتج تجاري، رغم أن الخبز يمثل مكونا يوميا لا تستطيع الأسر الفقيرة الاستغناء عنه أو تقليل استهلاكه بسهولة.

 

ومن ثم، فإن ارتفاع طن الدقيق من 18 ألفا إلى 20 ألف جنيه لا يفسر وحده حجم الزيادة في كل مخبز، ما يستدعي نشر تكلفة استرشادية معلنة تشمل الوزن وهامش الربح والنقل.

 

رقابة غائبة عن السوق

 

وأوضح عطية حماد، رئيس شعبة المخابز بالقاهرة في تصريحات سابقة، أن اختلاف أسعار الخبز السياحي يرتبط بالدقيق والتشغيل وتفاوت المناطق، وهي عوامل حقيقية، لكنها لا تعفي الجهات الرقابية من تحديد أوزان وأسعار قصوى واضحة.

 

غير أن ترك التسعير للمخابز منفردة يفتح الباب أمام زيادات متزامنة يصعب على المواطن مناقشتها، خصوصا عندما تتشابه الأسعار داخل المنطقة الواحدة من دون إعلان رسمي يوضح أسس الزيادة أو مدة سريانها.

 

علاوة على ذلك، سبق أن أعلنت وزارة التموين نيتها متابعة عناصر تكلفة الخبز الحر دوريا، إلا أن الموجة الجديدة تكشف أن المتابعة لم تمنع انتقال زيادة الدقيق إلى الرغيف بسرعة أكبر من تحسن دخول المواطنين.

 

وبناء على ذلك، تصبح الرقابة الحقيقية مرتبطة بفحص الوزن والجودة والفاتورة، لا بمجرد تحرير مخالفات محدودة بعد الشكاوى، لأن المستهلك الضعيف غالبا لا يملك وقتا أو قدرة على ملاحقة كل مخبز.

 

في الوقت نفسه، يظل رغيف الخبز البلدي المدعم عند 20 قرشا، لكن ثباته لا يلغي معاناة أسر لا تمتلك بطاقات تموين أو لا تكفيها الحصة اليومية، فتضطر للشراء من السوق السياحية.

 

على الجانب الآخر، تستند الحكومة إلى منظومة الدعم باعتبارها حاجزا أمام الجوع، بينما تترك الملايين خارجها لموجات التضخم، وهو تناقض يوسع الفجوة بين المستفيدين ويحول الخبز إلى مؤشر مباشر للتمييز الاجتماعي.

 

وبالمثل، فإن زيادة 50 قرشا قد تبدو محدودة منفردة، لكنها تتحول إلى عبء ثقيل عند ضربها في عدد الأرغفة والأيام وأفراد الأسرة، خاصة مع ارتفاع أسعار الزيت والخضروات واللحوم والمواصلات.

 

إلى جانب ذلك، لا تعلن الجهات الحكومية بيانات أسبوعية واضحة عن أسعار الدقيق وهوامش الربح وأوزان الخبز الحر، ما يسمح بتضارب الأرقام بين 25 و50 قرشا ويقوض قدرة المواطنين على معرفة السعر العادل.

 

الدعم لا يكفي وحده

 

وأكد عبد المنعم خليل، الرئيس السابق لقطاع التجارة الداخلية بوزارة التموين، في تصريحات سابقة أن الدولة قادرة على ضبط أسعار الخبز وتحديد وزن وسعر عادل، وهو موقف يضع مسؤولية التدخل بوضوح على الحكومة.

 

ومع ذلك، لا يظهر حتى الآن إجراء معلن يعيد تسعير الخبز السياحي بعد صعود الدقيق، رغم أن الوزارة سبق أن تدخلت لتحديد أسعار وأوزان قصوى عندما شهد السوق اضطرابات مشابهة واتهامات بالتلاعب.

 

فضلا عن ذلك، فإن ربط الحماية بالخبز المدعم وحده يتجاهل العاملين غير المنتظمين والمستبعدين من البطاقات والأسر التي تجاوز استهلاكها الحصة، ويحول الحصول على رغيف بسعر مناسب إلى امتياز إداري.

 

نتيجة لذلك، تتسع دائرة المتضررين كلما ارتفع الدقيق، لأن زيادة الخبز تنتقل إلى المطاعم وعربات الطعام والمخابز المنتجة للفطائر، فتظهر موجة أسعار أوسع تمس الوجبات الشعبية التي يعتمد عليها العمال والطلاب.

 

في السياق ذاته، تحتاج الحكومة إلى إلزام المخابز بإعلان الوزن والسعر على واجهاتها، ونشر خط ساخن فعال للشكاوى، وتكثيف حملات الموازين، حتى لا تتحول مرونة التسعير إلى غطاء قانوني للاستغلال.

 

وفوق ذلك، ينبغي مراجعة أسباب ارتفاع الدقيق الفاخر محليا، ومقارنة الأسعار بتكاليف القمح والطحن والنقل، لأن تحميل المخابز وحدها المسؤولية قد يخفي حلقات احتكارية أو هوامش مبالغ فيها داخل سلسلة التوريد.

 

وأخيرا، تكشف أزمة الرغيف السياحي أن تثبيت سعر الخبز المدعم لا يصنع حماية اجتماعية كاملة، فالمطلوب سياسة غذاء تراقب السوق وتوسع الاستحقاق وتربط الأجور بالتضخم، بدلا من ترك الأسر تدفع ثمن كل صدمة.