وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
احتفل ترامب بدخول مشروعه لحكم غزّة حيّز التنفيذ قبل يومَين، وسوّقت اللحظة بأنّ الشعب الفلسطيني المحاصر على موعد مع الأمان والتحسّن في أحوال المعيشة. غير أنّ الذي جرى فور الإعلان أنّ معدّلات القتل عادت إلى مستوياتها في ذروة القصف الصهيوني، وعادت مشاهد الأجساد الدامية المنقولة فوق عربات مكشوفة إلى المستشفيات، وعادت مشاهد الجنازات والدفن والبكاء على استشهاد أطفال ونساء ورجال.
صارت القاعدة تقول إنّ الاتفاقات تُعقد لكي ينتهكها الاحتلال الصهيوني، وإنّ التنازلات تُقدّم مقابل مزيد من جرائم الإبادة ينفّذها العدو، وهو محمي بغطاء قانوني يمنحه له التوقيع الفلسطيني على اتفاق مفروض عليه تحت إرهاب الأعداء وضغط الأشقاء. ثمّ لا تمرّ سوى شهور أو أعوام حتّى يقول الصهيوني إنّه في حلّ من أيّ اتفاق. هكذا أُلقيت "أوسلو" في سلّة القمامة، ولم يبق منها سوى "سلطة وطنية" مهمّتها الوحيدة التنسيق أمنيًا مع العدو. والنتيجة، كما ترى في الضفّة الغربية، عودة الاستيطان بأوسع ممّا كان قبل أن يتجرّع الفلسطينيون كأس السلام.
فور الإعلان عن تولّي مجلس ترامب حكم غزّة، سارع الرئيس الأميركي إلى الاحتفال، ففصفنا بهذا التصريح من فوق منّصته الإلكترونية الخاصّة (تروث سوشيال): "مجلس السلام توصّل إلى اتفاق تاريخي بشأن النزع الكامل لسلاح حماس وجميع الجماعات المسلّحة الأخرى في غزّة"، وأنّ الخطوة تمثّل "منعطفًا تاريخيًا نحو تحقيق سلام دائم وضمان أمن إسرائيل".
هكذا، بكلّ هذا الوضوح، لكنّ أحدًا لم يشأ أن يتوقّف وينظر في كارثية الموقف الجديد، لأنّ "هذا وقت العمل من أجل الإنسان الفلسطيني"، قالها معلّق فلسطيني من القاهرة، في إطار التسويق للحظة إعلان الفصائل الفلسطينية تسليم سلاح المقاومة، معتبرًا ما حدث إنجازًا واختراقًا مهمًّا حقّقته الفصائل، وكأنّ المقاومة من أجل تحرير الوطن عمل يتعارض مع مصلحة الإنسان الفلسطيني.
ويقول آخر من الاستراتيجيين التلفزيونيين المزمنين إنّ المسألة ليست تسليم السلاح، وإنّما تعطيل السلاح، وهي ليست جديدة، بل حصلت في أيرلندا الشمالية مع الجيش الجمهوري الانفصالي، في محاولة للتلطيف من مأساوية اللحظة والتعامي عن الواقع الذي يقول إنّها عملية تسليم للسلاح، حتّى لو كانت جهة الاستلام تسمّى "لجنة وطنية" مصنوعة على عين دونالد ترامب. ولدينا في "السلطة الوطنية" في رام الله المثل والعبرة.
القول إنّ ما جرى ليس جديدًا، وله سوابق تاريخية، بمقارنة الحالة الفلسطينية التحرّرية المقاومة لاحتلال استيطاني لقيط بحالة أيرلندا الشمالية، ومن أسف أنّ القياس هنا فاسد؛ فلا الكيان الصهيوني هو المملكة المتحدة، ولا الفصائل الفلسطينية حركات متمرّدة تبحث عن الانفصال عن جذورها مثل الجيش الجمهوري. فالمملكة المتحدة ليست احتلالًا أجنبيًا لأيرلندا الشمالية، والجذور التاريخية واحدة، وكذلك اللغة والثقافة والمعتقد الديني والملامح الشكلية.
الصراع في أيرلندا الشمالية مختلف من كلّ الوجوه عن الصراع في فلسطين، بين أصحاب أرض وغزاة قذفت بهم القوى الاستعمارية إلى هذه الأرض للتخلّص منهم. وبالتالي، من المهين والمعيب لكفاح الشعب الفلسطيني ضدّ احتلال أجنبي أن يوضع في مقارنة مع حركة تمرّد انفصالية، ذلك أنّ الصراع في أيرلندا الشمالية بدأ ضاريًا في أواخر الستينيّات من القرن الماضي، بمواجهات بين القوميين، وغالبيتهم من الكاثوليك الذين يسعون إلى الوحدة مع أيرلندا، والاتحاديين، وغالبيتهم من البروتستانت الذين يرغبون في البقاء ضمن المملكة المتحدة. وبالتالي، كان ذلك صراعًا أهليًا بين مكوّنات شعب واحد، وليس كفاحًا ضدّ غزو أجنبي.
ما نحن بصدده لحظة أخطر وأسوأ ممّا كانت بعد "أوسلو"، إذ كان منتهى أحلام بنيامين نتنياهو، وقتذاك، أن تكون الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في الاتفاق منزوعة السلاح. وكانت الشعوب العربية تغضب وتشعر بالإهانة حين تسمع هذا الخطاب الصهيوني الذي كان يريد بنزع السلاح أن يتحوّل الشعب الفلسطيني إلى قطط أليفة، من دون مخالب أو أسنان، تأكل وتشرب وتموء، ولا تفكّر في خمش الاحتلال الصهيوني أبدًا. وإن فكّرت، فإنّها لا تقوى ولا تجرؤ على التعبير عمّا تفكر فيه، ليستمتع الصهيوني بوضعية احتلال مرفه مطمئن، متفرّغًا لتحقيق حلمه في الهيمنة على الشرق الأوسط، والاستمتاع بأنهار من العسل واللبن تتفجّر من أرض فلسطين لـ"الشعب اليهودي" فقط.
نعم، بلغت غزّة حدًّا من الألم والإنهاك والخذلان من القريب قبل البعيد، صارت معه مضطرة إلى إعلان تسليم سلاحها. وهذه نتيجة منطقية لتحالف العدو والشقيق على هزيمتها في معركة السلاح، حين قال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، بعد بضعة أسابيع من "طوفان الأقصى": "أصدقاؤنا في الدول العربية والعالم يعرفون أنّنا إن لم ننتصر سيأتي دورهم".
ومعلوم كذلك أنّ غزّة أدركت هزيمتها وانكسار حلمها، حين وجدت أشقّاءها العرب يتجمّعون تحت سلطة الرئيس الأميركي، مخلصين لكلّ معتقداته السياسية الإمبريالية حيال فلسطين، والتزامهم بتصوّره للصراع، الذي تأسّس على نقطة محورية وحيدة حكمت رؤية ترامب، جوهرها أنّ ما يجري في غزّة ليس صراعًا بين شعب وقوّة احتلال، بل مجرّد أعمال إرهابية، لا مقاومة وطنية مشروعة. وهي الرؤية التي جسّدها تصريح ترامب، فور إعلان مجلسه لحكم غزّة، بأنّ المهمّة الأولى والرئيسة هي تسليم السلاح وإسقاط المقاومة، وإن لم يحدث ذلك فورًا "سنفجّرهم ونقتلهم جميعًا". هكذا أطلق وعيده من داخل البيت الأبيض عقب اجتماعه بقادة ثماني دول عربية وإسلامية في نيويورك، في سبتمبر من عام 2024، تعهّدوا في بيان رسمي، كُتب في حضرته، بأن "نجدّد الالتزام بالتعاون مع الرئيس ترامب، ونؤكّد أهمية قيادته من أجل إنهاء الحرب وفتح آفاق لسلام عادل ودائم".
صحيح أنّ اللحظة مشحونة بكلّ أنواع الوجع والحزن على مشروع مقاومة خنقه الأوغاد، لكنّ ذلك لا يعني أنّ المقاومة نفسها ماتت. فبعد كلّ انتفاضة مُجهَضة، نبتت انتفاضات، وسُطّرت ملاحم وبطولات، حتّى وصلنا إلى "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، وسيأتي بعده طوفانات أكبر، رغم أنف كلّ المتواطئين والمتخاذلين.

