أعلنت نقابة المحامين في مصر إسقاط قيد 6200 محام من جداولها المعتمدة، بقرار من النقيب العام عبد الحليم علام، لترتفع حصيلة من تم شطبهم خلال 2026 إلى 9400 محام، وسط اعتراضات على اتساع القرار وضمانات مراجعته.
ويفاقم القرار مخاوف من إدارة المهنة بمنطق الإقصاء الواسع، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تراجع الدخول وغلاء المعيشة، بما يجعل شطب القيد قراراً يتجاوز الورق إلى تهديد مباشر للاستقرار المهني والإنساني.
وبحسب البيانات المعلنة، تجاوز إجمالي من زال قيدهم أو استبعدوا من جداول النقابة خلال آخر 5 سنوات 15 ألف محام، بينما جاءت الكتلة الأكبر خلال العام الحالي، بما يجعل 2026 نقطة تحول استثنائية في ملف العضوية.
وفي المقابل، تقول النقابة إن قراراتها لا تستهدف المشتغلين فعلياً، وإنما تأتي ضمن مشروع لتنقية الجداول ومنع مزاحمة غير المستحقين للمحامين في العلاج والمعاش والخدمات، مع الاستناد إلى قواعد قانونية وبيانات رسمية متعددة.
كما تكشف أرقام الفحص أن نحو 5 آلاف حالة ارتبطت بالجمع بين المحاماة ووظائف عامة أو خاصة أو نشاط تجاري، وهي أوضاع تعتبرها النقابة متعارضة مع شروط القيد الواردة في قانون المحاماة.
ومن جهة أخرى، شملت القرارات نحو 1200 عضو قالت النقابة إن بحقهم أحكاماً جنائية نهائية، بما يسقط شرط حسن السمعة والسيرة، وهو معيار شديد الحساسية لأن أثره يمتد إلى الحق في العمل والاعتبار المهني.
ولذلك لا تبدو الأزمة محصورة في سؤال التنقية ذاته، بل في طريقة تنفيذها، وآليات إخطار المتضررين، وحقهم في الاطلاع على أسباب القرار، وسرعة التظلم، ومدى توافر مراجعة فردية تمنع تحويل القواعد العامة إلى عقوبة جماعية.
تنقية أم إقصاء مهني
وسبق أن شدد رجائي عطية، نقيب المحامين الراحل، على أن تنقية الجداول واجبة ولكن بضوابط قانونية تمنع الظلم، وأن المحامي يجب أن يملك حرية إثبات ممارسته بأي دليل صالح، لا وفق نموذج واحد تفرضه الإدارة النقابية.
وبهذا المعيار، يصبح حجم الدفعة الأخيرة موضع تساؤل مشروع، لأن إسقاط 6200 قيد دفعة واحدة يفرض على النقابة عبئاً مضاعفاً لإثبات أن كل ملف خضع لفحص مستقل، وأن أسباب الاستبعاد لم تنتج عن مطابقة آلية جامدة.
كذلك فإن الاستناد إلى بيانات التأمينات أو السجلات التجارية قد يكون كاشفاً عن حالات تستوجب الفحص، لكنه لا يغني وحده عن سماع دفاع صاحب الشأن، خاصة إذا كانت البيانات قديمة أو جرى تصحيح الوضع قبل صدور القرار.
وعليه، فإن حماية المهنة لا تتعارض مع حماية المحامي من القرار الخاطئ، بل يفترض أن تسير العمليتان معاً، لأن النقابة التي تطلب احترام القانون مطالبة بدورها بإظهار أعلى درجات الشفافية والتسبيب والمراجعة قبل المساس بالعضوية.
غير أن اتساع الاستبعادات بهذه الصورة يعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة من أن تتحول تنقية الجداول إلى أداة إدارية ثقيلة، تدفع ثمنها حالات فردية لم تحصل على فرصة كافية لتصحيح أوضاعها أو الاعتراض في الوقت المناسب.
ومن ثم فإن المعيار العادل ليس عدد من خرجوا من الجداول، بل قدرة النقابة على إثبات أن كل مستبعد عرف سبب القرار، وأتيح له التظلم الفعال، ولم يحرم من العمل بسبب خطأ بيانات أو تفسير متشدد للنص.
موارد النقابة وحدود العدالة
وفي اتجاه مختلف، دافع سامح عاشور، النقيب الأسبق، عن تنقية الجداول باعتبارها وسيلة لحماية موارد المحامين من غير المشتغلين، ورأى أنها أنقذت النقابة من ضغوط مالية كان يمكن أن تستنزف العلاج والمعاش والخدمات الممولة من الاشتراكات.
ومع أهمية هذا المنطق المالي، تبقى العدالة الإجرائية شرطاً لا يمكن القفز فوقه، لأن حماية الموارد لا تمنح أي مؤسسة حق افتراض المخالفة مسبقاً، ولا تجعل الأرقام الكبيرة دليلاً تلقائياً على سلامة كل قرار صدر.
إضافة إلى ذلك، فإن المحامين المتضررين لا يواجهون فقدان بطاقة عضوية فقط، بل قد يخسرون مكاتبهم وعملاءهم ودخولهم وشبكاتهم المهنية، وهي آثار تجعل أي خطأ إداري بسيط قابلاً للتحول إلى أزمة اجتماعية كاملة داخل الأسرة.
وبالتالي فإن النقابة مطالبة بنشر معايير واضحة ومعلنة للتنقية، وتحديد طرق التحقق من الاشتغال الفعلي، وآجال التظلم، والجهة التي تفصل فيه، حتى لا يظل المحامي معلقاً بين قرار الاستبعاد وتعقيدات استعادة وضعه المهني.
وفوق ذلك، ينبغي التمييز بين من ثبت تزويره أو جمعه المحظور بين مهنتين، وبين من وقع في تأخر مالي أو نقص مستندات أو تعارض بيانات، لأن جمع هذه الحالات تحت عنوان واحد يطمس الفروق القانونية والإنسانية بينها.
وبناءً على ذلك، فإن نجاح مشروع التنقية يجب أن يقاس بمدى تقليل القيد غير المستحق من دون توسيع دائرة المظالم، لا بمجرد إعلان أرقام ضخمة توحي بالحسم بينما تترك خلفها آلاف الملفات المحتاجة إلى مراجعة دقيقة.
الطعن طريق الحماية
أما منتصر الزيات، عضو مجلس النقابة السابق، فسبق أن أعلن تأييده لمبدأ تنقية الجداول مع تمسكه بأن يتم ذلك وفق القانون والأصول، محذراً من الخلط بين إزالة غير المشتغلين وبين منع محام من ممارسة مهنته دون سند كاف.
ومن هنا تكتسب إجراءات إعادة القيد أهمية استثنائية، إذ يتعين على من زال سبب استبعاده أن يقدم ما يثبت تسوية وضعه، سواء بشهادة تأمينات حديثة أو غلق نشاط تجاري أو استكمال المستندات التي تثبت الاشتغال الفعلي.
أما من ارتبط استبعاده بحكم جنائي، فتتوقف عودته على زوال الأثر القانوني للحكم واستعادة شرط حسن السيرة، وهو مسار قد يكون طويلاً ومعقداً ويحتاج ضمانات تمنع استخدام السوابق بصورة تتجاوز ما يسمح به القانون.
وفي السياق نفسه، تتطلب إعادة القيد طلباً مسبباً ومستندات محدثة وسداد الرسوم والمتأخرات بعد موافقة لجنة القيد، ما يعني أن الاستبعاد لا ينتهي بمجرد إزالة السبب، بل يبدأ بعده مسار إداري ومالي قد يثقل المتضرر.
مع ذلك، يبقى حق الطعن والمراجعة هو الضمانة الأساسية أمام أي توسع في قرارات الزوال، لأن المؤسسة النقابية لا يجوز أن تكون الخصم والحكم النهائي معاً في ملف يمس الحق في العمل والسمعة والمستقبل المهني.
وأخيراً، فإن الأزمة الحالية تضع نقابة المحامين أمام اختبار يتجاوز شعار تنقية الجداول، فإما أن تقدم نموذجاً يوازن بين صون المهنة وصون حقوق أعضائها، أو تتحول حملة التنظيم إلى باب جديد للاحتقان وفقدان الثقة بالنقابة.

