توقع خبراء شاركوا في استطلاع أجرته رويترز تسارع التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.6% خلال يوليو مقابل 14.3% في يونيو، بفعل تأثير سنة الأساس والضغوط الأوسع على أسعار الغذاء والسلع غير الغذائية، بما يزيد أعباء الأسر.
ويكشف هذا التوقع كلفة خيارات حكومية دفعت المواطنين إلى مواجهة موجات غلاء متلاحقة، إذ يجري تقليص دعم الوقود والكهرباء بينما تتآكل الأجور، وتتحول الالتزامات مع صندوق النقد الدولي إلى فاتورة يومية يدفعها الفقراء.
ضغوط تتجاوز الغذاء
وبحسب متوسط آراء 13 محللا شملهم استطلاع رويترز بين 29 يوليو و6 أغسطس، يُرجح ارتفاع التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 15.6%، وسط نطاق توقعات تراوح بين 14.6% و16.3%.
وفي المقابل، تظهر هذه التقديرات أن موجة الأسعار لم تعد محصورة في سلعة بعينها، بعدما امتدت الضغوط من الغذاء إلى السلع والخدمات غير الغذائية، بما يضع ميزانيات الأسر أمام استنزاف متواصل خلال الشهور المقبلة.
وأوضح جيمس سوانستون، الخبير في بنك باركليز، أن ارتفاع تضخم أسعار المواد الغذائية، إلى جانب زيادة طفيفة في أسعار المواد غير الغذائية، يرجح أن يدفع تضخم المدن خلال يوليو إلى 16.1% على أساس سنوي.
ومن جانبه، يقدم تقدير سوانستون قراءة أكثر تشاؤما من متوسط الاستطلاع، إذ يزيد بنحو نصف نقطة مئوية على التوقع المركزي، وهو فارق يعكس اتساع حالة عدم اليقين المحيطة بحركة الأسعار وقدرة الإجراءات الرسمية على احتوائها.
كذلك، لا يعني انخفاض التضخم عن ذروته السابقة أن الأسعار عادت إلى مستوياتها القديمة، لأن تراجع معدل الزيادة لا يساوي انخفاض الأسعار، بل يعني استمرار الغلاء بوتيرة أبطأ فوق قاعدة مرتفعة أرهقت المستهلكين بالفعل.
إلى جانب ذلك، يضغط ارتفاع أسعار الغذاء بصورة أشد على الأسر محدودة الدخل، لأن الطعام يستحوذ على نسبة أكبر من إنفاقها، ما يضطرها إلى تقليص استهلاك البروتين والدواء والتعليم لتغطية الاحتياجات اليومية الأساسية.
وفي السياق نفسه، يعكس اتساع التضخم غير الغذائي انتقال موجة الغلاء إلى الملابس والنقل والخدمات المنزلية ومستلزمات الدراسة، وهو ما يجعل الأزمة أعمق من تقلبات موسمية يمكن احتواؤها عبر منافذ بيع مؤقتة أو تصريحات مطمئنة.
وعمليا، ينتظر أن يصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بيانات يوليو يوم 10 أغسطس، لتحديد ما إذا كانت القراءة الرسمية ستقترب من متوسط توقعات المحللين أم تتجاوزها تحت وطأة الضغوط السعرية المتراكمة.
سنة الأساس تخفي الأزمة
أما محمد أبو باشا، الخبير لدى إي إف جي القابضة، فتوقع زيادة شهرية متواضعة تبلغ 0.5%، لكنه رجح أن يرفع تأثير سنة الأساس غير المواتي المعدل السنوي رغم محدودية التحرك المسجل خلال شهر يوليو نفسه.
وفي قراءة لمسار الأشهر المقبلة، توقع أبو باشا استمرار تأثير سنة الأساس خلال أغسطس، قبل أن يعود إلى طبيعته ويبدأ التضخم اتجاها هبوطيا في الربع الرابع من 2026، إذا لم تظهر صدمات سعرية جديدة.
وبالتوازي، تكشف المقارنة السنوية جانبا معقدا من المشهد، إذ قد يرتفع المؤشر بسبب انخفاض القراءة المقابلة قبل عام، لكن ذلك لا يلغي الضغوط الفعلية التي يشعر بها المواطن عند شراء احتياجاته الأساسية كل يوم.
ومن ناحية أخرى، تبدو الحكومة مستفيدة إعلاميا من الحديث عن تراجع التضخم مقارنة بذروة 38% المسجلة في سبتمبر 2023، بينما لا تعكس هذه المقارنة حجم الخسارة التي لحقت بالقوة الشرائية منذ بدء موجات الغلاء.
ووفق عينة أصغر ضمت 3 محللين، بلغ متوسط توقعات التضخم الأساسي 14.9%، وتراوحت التقديرات بين 14.4% و15.1%، بما يشير إلى استمرار الضغوط حتى بعد استبعاد السلع الأكثر تقلبا أو الخاضعة لتسعير إداري.
ومع ذلك، فإن اقتراب التضخم الأساسي من 15% يعني أن الأزمة ليست مجرد نتيجة لتحركات موسمية في الخضروات والفاكهة، بل ترتبط بزيادات أوسع ترسخت داخل تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع وأسعار الخدمات المختلفة.
ولهذا، يصبح الحديث عن تأثير سنة الأساس غير كاف لتفسير معاناة الأسر، لأن المؤشر الإحصائي قد يتباطأ أو يتسارع، بينما تظل الأسعار الفعلية مرتفعة والدخول عاجزة عن ملاحقة الزيادات المتراكمة في الأسواق.
فيما تواصل السلطات تقديم برنامج الإصلاح باعتباره طريقا إلى الاستقرار، تكشف أرقام التضخم أن ثمار ذلك المسار لم تصل إلى غالبية المواطنين، الذين تحملوا خفض قيمة العملة ورفع الأسعار وتقليص الدعم دون حماية اجتماعية كافية.
رفع الدعم يوسع الغلاء
وعلى صعيد الطاقة، قال دانيال ريتشاردز، الخبير في بنك الإمارات دبي الوطني، إن رفع أسعار الكهرباء لمعظم شرائح الاستهلاك بمتوسط 12% خلال أغسطس مرشح للانعكاس على قراءة التضخم الخاصة بالشهر نفسه.
وتاريخيا، لا تقف آثار زيادة الكهرباء عند قيمة الفاتورة المنزلية، بل تنتقل إلى تكاليف المصانع والمتاجر والتبريد والنقل والخدمات، ثم يعاد تحميلها على المستهلك عبر أسعار أعلى لسلسلة واسعة من السلع.
وبعد ذلك، قد تتسع الضغوط التضخمية مع استمرار إلغاء دعم الوقود والكهرباء تدريجيا ضمن التزامات حزمة التمويل البالغة 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي، وهي إجراءات انعكست مرارا على تكاليف المعيشة والإنتاج.
لكن تحميل المواطنين تبعات الاتفاقات المالية دون إصلاح فعلي للأجور أو ضبط الأسواق يفاقم الظلم الاجتماعي، لأن أصحاب الدخول الثابتة يدفعون نسبة أكبر من مواردهم للطاقة والغذاء، بينما تتراجع قدرتهم على الادخار ومواجهة الطوارئ.
بناء على ذلك، قد يؤدي رفع الكهرباء إلى جولة جديدة من إعادة التسعير، خصوصا لدى المنتجين ومقدمي الخدمات الذين يعانون أصلا من ارتفاع تكلفة التمويل والخامات المستوردة والنقل، ما يبدد فرص تباطؤ التضخم سريعا.
وفوق ذلك، يزيد ضعف المنافسة والرقابة من قدرة بعض التجار على تمرير زيادات تتجاوز التكلفة الحقيقية، فيما تكتفي الجهات التنفيذية بإعلانات حملات رقابية موسمية لا تمنع استمرار التفاوت الكبير في الأسعار بين المناطق والمتاجر.
وفي المحصلة، يظل تراجع التضخم المتوقع خلال الربع الأخير رهنا باستقرار العملة وأسعار الطاقة والغذاء وعدم فرض زيادات إدارية جديدة، وهي شروط تجعل التحسن المحتمل هشا وقابلا للانتكاس أمام أي قرار حكومي أو صدمة خارجية.
وأخيرا، لا تختصر أزمة التضخم في نسبة تصدرها الأجهزة الرسمية، بل تظهر في موائد أقل تنوعا وعلاج مؤجل وديون متراكمة، بينما تواصل الحكومة تنفيذ سياسات تضع أرقام الاتفاقات الدولية فوق احتياجات المواطنين وحقهم في معيشة كريمة.

