كشفت دراسة علمية حديثة عن جانب غير متوقع من الحياة الاجتماعية للحيتان القاتلة في شمال المحيط الهادئ، بعدما توصل باحثون إلى أن هذه الحيوانات تميل إلى تقليل ارتباطاتها الاجتماعية كلما تقدمت في العمر، رغم أنها تنتمي إلى واحدة من أكثر الكائنات البحرية المعروفة بتكوين روابط اجتماعية قوية ومستمرة.
واعتمد الباحثون في دراستهم على طائرات بدون طيار، أتاحت لهم مراقبة الحيتان من زاوية مختلفة وأكثر دقة مقارنة بالطرق التقليدية التي كانت تعتمد بصورة أساسية على رصد الحيوانات عند سطح المياه وتسجيل الأفراد التي تظهر معًا في مجموعات واحدة.
وأظهرت النتائج أن العلاقات الاجتماعية لدى الحيتان القاتلة ليست عشوائية، إذ تميل هذه الحيوانات إلى قضاء فترات أطول من الوقت مع أفراد محددين، كما تفضل في كثير من الحالات التفاعل مع حيتان من الجنس نفسه أو من الفئات العمرية المتقاربة.
الطائرات بدون طيار تكشف تفاصيل خفية
وتأتي أهمية الدراسة الجديدة من قدرتها على رصد تفاصيل دقيقة في السلوك الاجتماعي للحيتان لم يكن من السهل اكتشافها من خلال المراقبة التقليدية.
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة «وقائع الجمعية الملكية ب»، التابعة للجمعية الملكية البريطانية، استخدم الفريق البحثي الطائرات بدون طيار لمراقبة الحيتان من أعلى، ما أتاح له تتبع التفاعلات التي تحدث بين أفراد المجموعة، بما في ذلك صور الاتصال الجسدي والحركة الجماعية.
ويقول مايكل فايس، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن الأبحاث السابقة حول الشبكات الاجتماعية للحيتان القاتلة كانت تعتمد إلى حد كبير على مراقبة الحيوانات عندما تصعد إلى سطح البحر، ثم تسجيل الحيتان التي تكون موجودة معًا في الوقت نفسه.
لكن هذه الطريقة، وفق الباحثين، لا تقدم بالضرورة صورة كاملة عن طبيعة العلاقات بين أفراد المجموعة، إذ إن وجود حوتين في المكان نفسه لا يعني بالضرورة وجود علاقة اجتماعية قوية بينهما.
ومن هنا جاءت أهمية الطائرات بدون طيار، التي سمحت للباحثين بالاقتراب من تفاصيل أكثر دقة، مثل معرفة أي الحيتان تتفاعل بصورة أكبر، ومن يبادر بالاتصال الجسدي، وكيف تتغير هذه العلاقات مع تقدم الحيوان في العمر.
الحيتان لا تتعامل مع جميع أفراد المجموعة بالطريقة نفسها
وأظهرت النتائج أن الحيتان القاتلة، رغم بقائها داخل مجموعات اجتماعية مترابطة، لا تتعامل مع جميع أفراد المجموعة بالطريقة نفسها.
فقد تبين أن بعض الحيتان تقضي وقتًا أطول مع أفراد محددين، وهو ما يشير إلى وجود تفضيلات اجتماعية واضحة، تشبه في بعض جوانبها العلاقات التي تظهر لدى عدد من الثدييات الاجتماعية.
كما وجد الباحثون ميلًا إلى التفاعل مع أفراد من الجنس نفسه أو من أعمار متقاربة، ما يشير إلى أن العمر والجنس يمكن أن يكون لهما دور في تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المجموعة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن الحيتان القاتلة تعيش في مجموعات اجتماعية مستقرة نسبيًا، وغالبًا ما تظل مرتبطة بالمجموعة التي ولدت فيها لفترات طويلة من حياتها.
وبالتالي فإن فهم طبيعة العلاقات داخل هذه المجموعات يمكن أن يساعد العلماء على تفسير كيفية تنظيم حياة هذه الحيوانات، وكيف تتبادل الدعم والتواصل والتعاون فيما بينها.
التقدم في العمر يغير طبيعة العلاقات الاجتماعية
وكانت أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن الحيتان القاتلة تصبح أقل ارتباطًا اجتماعيًا كلما تقدمت في العمر.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الحيتان الأكبر سنًا تنفصل عن مجموعاتها أو تعيش في عزلة كاملة، وإنما يشير إلى انخفاض مستوى ارتباطها الوثيق ببعض الأفراد مقارنة بالحيتان الأصغر سنًا.
ويرى الباحثون أن هذا التغير في السلوك الاجتماعي يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات المتعلقة بالتقدم في العمر لدى الحيوانات الاجتماعية، خصوصًا الأنواع التي تعيش في مجموعات مترابطة طوال حياتها.
وتشير هذه الملاحظة أيضًا إلى أن العلاقات الاجتماعية لدى الحيتان قد تتغير مع مرور الوقت، بحيث لا تظل طبيعة التفاعل الاجتماعي ثابتة طوال حياة الحيوان.
الاتصال الجسدي.. مفتاح لفهم العلاقات بين الحيتان
ركز الباحثون خلال الدراسة على أحد أبرز أشكال التفاعل الاجتماعي، وهو الاتصال الجسدي بين الحيتان.
وقد أتاح التصوير من الطائرات بدون طيار إمكانية رصد هذه التفاعلات بصورة أوضح، ودراسة الحيوانات وهي تتفاعل مع بعضها داخل المياه.
وأشارت أنماط الاتصال الجسدي إلى وجود دور اجتماعي مهم للحيتان الأصغر سنًا والإناث داخل المجموعة، وهو ما يعكس تعقيد البنية الاجتماعية لهذه الحيوانات.
ويعتقد الباحثون أن الاتصال الجسدي يمكن أن يؤدي دورًا يتجاوز مجرد التفاعل العابر، إذ إن مثل هذه السلوكيات قد تكون مرتبطة بتقوية الروابط بين أفراد المجموعة، وربما المساعدة في تخفيف التوتر.
ويشير دارين كروفت، من مركز إكستر للبحوث في السلوك الحيواني، إلى أن الاتصال الجسدي في العديد من الأنواع، ومن بينها البشر، يمكن أن يكون نشاطًا مهدئًا يساعد على تخفيف الإجهاد وتعزيز الروابط الاجتماعية.
أوجه تشابه مع الثدييات الاجتماعية الأخرى
لم تتوقف الدراسة عند تحليل الاتصال الجسدي، بل بحث الفريق أيضًا في المرات التي ظهرت فيها الحيتان معًا وأشكال العمل الجماعي بينها.
ويعد العمل المشترك أحد المؤشرات المهمة التي يستخدمها العلماء لفهم العلاقات الاجتماعية لدى الحيوانات، إذ يمكن أن يكشف عن وجود روابط وتعاون بين أفراد المجموعة.
وأظهرت النتائج أوجه تشابه لافتة بين سلوك الحيتان القاتلة وبعض السلوكيات المعروفة لدى الثدييات الاجتماعية الأخرى.
ويشير ذلك إلى أن الحياة الاجتماعية للحيتان أكثر تعقيدًا مما قد توحي به المشاهد السريعة التي تظهر فيها مجموعات من الحيتان وهي تتحرك معًا في المحيط.
فخلف هذه الحركة الجماعية توجد شبكة من العلاقات الفردية، يفضل فيها كل حوت بعض الأفراد على غيرهم، وتختلف درجة التفاعل من حوت إلى آخر بحسب العمر والجنس وطبيعة العلاقة.
أكثر من أربعة عقود من البيانات
واستندت الدراسة الجديدة إلى قاعدة بيانات ضخمة جُمعت على مدار أكثر من أربعة عقود، ما منح الباحثين فرصة نادرة لمتابعة الحيتان القاتلة الجنوبية ودراسة التغيرات التي تطرأ على سلوكها الاجتماعي عبر الزمن.
وتنتمي هذه المجموعة إلى تجمعات الحيتان القاتلة الموجودة في شمال المحيط الهادئ، وهي من المجموعات التي تواجه مخاطر بيئية كبيرة، الأمر الذي يجعل فهم سلوكها الاجتماعي أمرًا مهمًا بالنسبة إلى جهود المحافظة عليها.
وتسمح البيانات طويلة المدى للباحثين بتكوين صورة أكثر دقة عن حياة هذه الحيوانات، بدلًا من الاعتماد على ملاحظات قصيرة المدى قد لا تكشف التغيرات التي تحدث على مدار سنوات طويلة.
لماذا تعد الدراسة مهمة للحفاظ على الحيتان؟
لا تقتصر أهمية البحث على الجانب السلوكي أو العلمي فقط، إذ يمكن أن تساعد دراسة العلاقات الاجتماعية للحيتان في تحسين طرق حمايتها والحفاظ على تجمعاتها.
فالحيتان القاتلة تعيش في مجتمعات مترابطة، وأي تغيرات كبيرة في البيئة البحرية قد تؤثر ليس فقط في صحة الأفراد، وإنما أيضًا في العلاقات التي تربطهم ببعضهم.
ومن ثم فإن معرفة كيفية تفاعل الحيتان، ومن يعتمد على من، وكيف تتغير العلاقات مع التقدم في العمر، يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من تقييم المخاطر التي تواجه هذه الحيوانات.
كما يمكن أن تساعد هذه المعلومات العلماء على فهم آثار الضغوط البيئية، مثل نقص الغذاء والتلوث والضوضاء البحرية، على السلوك الاجتماعي للحيتان.
سلوك اجتماعي أكثر تعقيدًا مما يبدو
وتكشف الدراسة في مجملها أن الحيتان القاتلة لا تعيش في مجموعات لمجرد التحرك أو الصيد معًا، وإنما تمتلك شبكة من العلاقات الاجتماعية المعقدة التي تتضمن تفضيلات فردية وتفاعلات جسدية وتعاونًا بين أفراد المجموعة.
كما أن هذه العلاقات ليست ثابتة بالضرورة، إذ يبدو أن العمر يؤدي دورًا في تحديد مستوى الارتباط الاجتماعي، مع ميل الحيتان الأكبر سنًا إلى أن تصبح أقل ارتباطًا بالأفراد الآخرين مقارنة بالحيتان الأصغر.
ويؤكد استخدام الطائرات بدون طيار أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت أداة مهمة في دراسة الحيوانات البحرية، خاصة تلك التي يصعب مراقبة حياتها الاجتماعية من داخل بيئتها الطبيعية.
ويعتقد الباحثون أن الجمع بين البيانات التاريخية الممتدة لعقود، والمراقبة الحديثة باستخدام الطائرات بدون طيار، يمكن أن يوفر فهمًا أعمق للسلوك الاجتماعي للحيتان، ويكشف مزيدًا من التفاصيل عن الطريقة التي تتواصل بها هذه الحيوانات وتبني علاقاتها داخل مجموعاتها.
وفي النهاية، تفتح النتائج الجديدة بابًا أمام دراسات أخرى حول تأثير العمر في العلاقات الاجتماعية لدى الحيوانات، وما إذا كانت ظاهرة انخفاض الارتباط الاجتماعي مع التقدم في السن موجودة لدى أنواع أخرى تعيش في مجتمعات مترابطة، أم أنها سمة أكثر ارتباطًا بطبيعة الحياة الاجتماعية الفريدة للحيتان القاتلة.

