سجلت منافذ التأمين الصحي في محافظات مصر نقصًا متكررًا في 3 فئات من الأدوية الحيوية، تشمل الأنسولين وعلاجات الأعصاب والجلطات، ما أجبر مرضى على البحث عنها خارجيًا أو مواجهة مخاطر انقطاع العلاج.
ويفضح العجز انهيار الأولويات داخل حكومة السيسي، التي تتحدث عن توطين صناعة الدواء ووفرة الإنتاج، بينما يخرج المريض الفقير من منفذ التأمين بلا علاجه، مخيرًا بين الاستدانة من أجل الدواء أو تعريض حياته للخطر.
دواء موجود على الورق
وبحسب شكاوى المرضى، لم يعد نقص الأدوية مقتصرًا على الصيدليات الخاصة، بل امتد إلى منظومة التأمين الصحي التي يلجأ إليها أصحاب الدخول المحدودة لعدم قدرتهم على تحمل تكلفة العلاج المستمر من أموالهم.
وفي مقدمة الأصناف الناقصة يأتي الأنسولين، الذي لا يستطيع مريض السكري تأجيل جرعاته أو تغييرها عشوائيًا، لأن اضطراب العلاج قد يؤدي إلى ارتفاع خطير في مستوى السكر أو الدخول في غيبوبة ومضاعفات حادة.
ورغم ذلك، يؤكد وزير الصحة خالد عبد الغفار أن الأنسولين المحلي متوافر ويغطي احتياجات السوق، وأن النقص المحتمل يتعلق باسم تجاري بعينه، وليس بغياب المادة الفعالة أو البدائل المسجلة لدى الجهات المختصة.
غير أن هذه التصريحات تصططدم بتجربة المرضى داخل منافذ التأمين، لأن توافر الإنتاج بالمصانع أو المخازن المركزية لا يساوي وصول العبوات إلى الصيدلية التي يقصدها المريض في موعد صرف علاجه المحدد.
وفي المقابل، تتجاهل الرواية الحكومية أن بعض المرضى يستقرون على مستحضر معين بتوجيه طبي، وأن استبداله يحتاج إلى تقييم ومتابعة، ولا يجوز اختزال اعتراضهم في تفضيل شخصي لاسم تجاري مستورد.
ومن جانبه، يرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، أن حل أزمة النواقص لا يقاس بمجرد وجود المستحضر، بل بحجم الكميات المتاحة مقارنة بالاحتياجات الفعلية للمرضى في مختلف المناطق.
وبناءً على ذلك، فإن إعلان وفرة الأنسولين يظل بلا قيمة إذا كانت الكميات لا توزع وفق أعداد المرضى وحجم الاستهلاك، أو تتأخر عن مواعيد الصرف، أو تختفي من منافذ التأمين بينما تتوافر بأسعار مرتفعة خارجه.
وفي السياق نفسه، يثير غياب البيانات التفصيلية أسئلة عن حجم الإنتاج المحلي، والكميات المسلمة لهيئة التأمين الصحي، ونصيب كل محافظة، والمخزون المتاح، وأسباب وصول بعض المنافذ إلى العجز رغم الحديث الرسمي عن الوفرة.
المحلي لا يصل
وعلاوة على الأنسولين، تتكرر شكاوى نقص أدوية علاج الأعصاب، وهي مستحضرات يحتاج بعضها إلى انتظام صارم، لأن توقفها المفاجئ قد يسبب انتكاسات أو نوبات أو اضطرابات خطرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة مخزون عادية.
كذلك يهدد نقص أدوية الجلطات مرضى يعانون حالات حرجة أو معرضين لتكرار الإصابة، إذ يمكن أن يؤدي انقطاع بعض العلاجات المقررة طبيًا إلى مضاعفات جسيمة، تشمل العجز الدائم أو الوفاة في الحالات الأشد خطورة.
وفي الوقت ذاته، لا تعلن وزارة الصحة قائمة محدثة بالأصناف الناقصة داخل كل منفذ، أو موعد توافرها، أو مكان الحصول على البديل، ما يترك المريض يتنقل بين الصيدليات بحثًا عن دواء يفترض أن توفره الدولة.
أما علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، فيؤكد أهمية متابعة المخزون والتتبع الدوائي، موضحًا أن بعض الأزمات ترتبط بطلب أسماء تجارية محددة مع وجود بدائل تحمل المادة الفعالة والتركيز نفسيهما.
لكن وجود البديل لا يحل المشكلة تلقائيًا، إذ يجب أن يكون متاحًا فعليًا داخل منفذ التأمين، وأن يقر الطبيب ملاءمته للحالة، مع توضيح طريقة الانتقال إليه ومتابعة تأثيره بدل ترك المريض يغير علاجه بنفسه.
ومن ثم، تحتاج منظومة التأمين إلى قاعدة بيانات تربط الوصفات بالمخزون الفعلي، وتكشف النقص قبل نفاد العبوات، وتعيد توزيع الأدوية بين المنافذ، بدل اكتشاف الأزمة عندما يقف المريض أمام الصيدلية ولا يجد جرعته.
إضافة إلى ذلك، قد ينشأ العجز من خلل في الإنتاج أو الاستيراد أو التعاقدات أو التوزيع أو تقدير الاحتياجات، لكن الحكومة لا تقدم تشخيصًا واضحًا يحدد موضع التعطل والجهة المسؤولة عن استمراره.
وعوضًا عن الشفافية، تستخدم السلطات عبارات عامة عن زيادة الإنتاج وتوطين الصناعة، بينما تظل سلسلة انتقال الدواء من المصنع إلى مخازن التأمين ثم إلى المريض محجوبة عن الرقابة المجتمعية والمحاسبة العلنية.
الفقراء يدفعون الثمن
وعلى صعيد الجودة، يؤكد محفوظ رمزي، رئيس لجنة تصنيع الدواء بنقابة الصيادلة، عدم وجود فارق جوهري بين المستحضر المحلي والمستورد عندما يتطابقان في المادة الفعالة والتركيز ويخضعان لمعايير التسجيل والرقابة المطلوبة.
مع ذلك، لا يجوز استخدام صلاحية البديل المحلي ذريعة لإعفاء الحكومة من توفير العلاج، لأن المشكلة ليست جنسية العبوة، بل انقطاعها داخل التأمين وترك المريض مضطرًا لشرائها من السوق على نفقته الخاصة.
وبالتالي، يتحول دعم الصناعة المحلية من هدف ضروري إلى شعار فارغ عندما لا يرى المريض أثره، إذ يفترض أن يؤدي التوسع في الإنتاج إلى انتظام الإمدادات وخفض التكلفة، وليس إلى إنكار النقص القائم.
ومن ناحية إنسانية، يدفع المرضى المزمنون الثمن الأكبر لأن احتياجاتهم الدوائية شهرية ودائمة، فيما تعني كل عبوة يشترونها خارجيًا اقتطاع جزء من نفقات الطعام والسكن والمواصلات داخل أسر تعاني أصلًا من الغلاء.
وفوق ذلك، يخلق نقص الدواء سوقًا غير عادلة يستفيد منها القادر على الشراء، بينما ينتظر الفقير داخل طوابير التأمين أو يبحث عن واسطة لنقل علاجه من فرع آخر، وكأن الحق في الحياة مرتبط بالدخل.
وفي غضون ذلك، يواجه الأطباء مأزقًا حين يكتبون علاجًا مناسبًا ثم يكتشف المريض غيابه، ما يضطرهم إلى تعديل الوصفات وفق المتاح بالمخازن لا وفق الاحتياج الطبي، فتتحكم أزمة التوريد في القرار العلاجي.
ولذلك، يجب إلزام التأمين الصحي بصرف البديل المعتمد فورًا بعد مراجعة الطبيب، أو تحمل تكلفة شراء المستحضر من الصيدليات الخاصة، لأن المريض ليس مسؤولًا عن فشل التعاقد أو التخزين أو توزيع المخزون.
وبالتوازي، يتطلب منع تكرار الأزمة نشر أرصدة الأدوية الحيوية دوريًا، وإنشاء خط عاجل لتوجيه المرضى إلى المنافذ المتوافر بها العلاج، ومحاسبة المسؤولين عن أي عجز كان يمكن توقعه ومعالجته قبل نفاد الكميات.
وفي المحصلة، تكشف أزمة الأنسولين وأدوية الأعصاب والجلطات أن منظومة التأمين الصحي لا توفر الأمان الذي أنشئت من أجله، بينما تتناقض تصريحات الوفرة مع واقع مرضى يطرقون الأبواب بحثًا عن جرعة تحمي حياتهم.

