بحث علاء فاروق وزير الزراعة في القاهرة مع وفد استثماري تركي تحويل تركيا إلى مركز إقليمي لتصدير فائض يناهز 20% من إنتاج الدواجن المصرية البالغ نحو 1.8 مليار طائر سنويا، بما يوسع التصدير لكنه يثير مخاوف حماية السوق المحلية.

 

ويأتي التحرك بينما يواجه ملايين المصريين ضغوطا معيشية متفاقمة وتراجعا في القدرة الشرائية، ما يجعل تصدير الغذاء ملفا حساسا يتجاوز حسابات الشركات، خصوصا إذا لم تضمن الحكومة أولا استقرار الأسعار وحماية صغار المربين والمستهلكين داخل البلاد.

 

وخلال اللقاء عرضت الوزارة على المستثمرين الأتراك فرصا للشراكة في الإنتاج الداجني والحيواني والزراعي، وربط الشركات المصرية بشبكات التوريد التركية، بما يسمح بإعادة تصدير المنتجات المصرية إلى أسواق مجاورة عبر بوابة إقليمية تمتلك بنية لوجستية واسعة.

 

وفي المقابل لم تكشف الحكومة حتى الآن عن حجم الكميات المستهدف تصديرها عبر تركيا، ولا عن آلية واضحة لضمان ألا يؤدي التوسع الخارجي إلى اختلالات مفاجئة في المعروض المحلي إذا تحسنت الأسعار العالمية أو تراجع الإنتاج موسميا.

 

كذلك تضمن الاجتماع بحث نقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل الإمداد والمجازر ومزارع الإنتاج، وهي أهداف يمكن أن تعزز تنافسية الصناعة، لكن التجارب السابقة تجعل السؤال قائما حول نصيب المنتج الصغير من هذه الاستثمارات مقارنة بالشركات الأكبر والأقدر على التصدير.

 

ومن المقرر أن ينظم الجانب المصري زيارة ميدانية لرجال الأعمال الأتراك إلى مزارع الدواجن والمجازر الحديثة والمشروعات الزراعية الكبرى، في محاولة لتحويل التفاهمات الأولية إلى استثمارات واتفاقات تجارية قابلة للتنفيذ خلال الفترة المقبلة.

 

غير أن تحويل دولة أخرى إلى بوابة للصادرات المصرية يطرح تساؤلا حول سبب عدم بناء مراكز توزيع وتسويق مصرية مستقلة في الأسواق المستهدفة، بما يحافظ على هامش ربح أكبر ويمنح المنتج المصري سيطرة مباشرة على علامته التجارية.

 

وبينما تقدم الوزارة الخطوة باعتبارها فرصة لزيادة الصادرات، فإن نجاحها الحقيقي يتوقف على شروط التعاقد وتكاليف النقل والتخزين والرسوم، لأن أي زيادة في حلقات الوساطة قد تلتهم جزءا مهما من العائد الذي يفترض أن يصل للمنتج المصري.

 

كما أن التوسع في التصدير يحتاج إلى منظومة رقابة صحية وبيطرية صارمة، وشهادات مطابقة مستمرة، وقدرة على تتبع المنتج من المزرعة إلى السوق، وهي متطلبات لا تحتمل التراخي إذا أرادت مصر تثبيت موطئ قدم خارجي دائم.

 

ولزيادة العائد من الخطة، يفترض أن تربط الحكومة أي دعم للتصدير بتعهدات واضحة بالحفاظ على إمدادات السوق المحلية، وعدم تحميل المستهلك المصري تكلفة ارتفاع الطلب الخارجي، مع وضع قواعد معلنة للتدخل إذا حدثت قفزات سعرية غير مبررة.

 

 

الفائض يبحث عن أسواق

 

ويؤكد محمود العناني رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن أن الإنتاج المحلي يصل إلى نحو 1.8 مليار دجاجة سنويا مع فائض يقارب 20%، ويرى أن فتح أسواق خارجية أصبح ضرورة لاستيعاب الزيادة وحماية المنتجين من انهيار الأسعار.

 

وبحسب هذا التقدير فإن التصدير ليس ترفا للقطاع، بل أداة لتصريف فائض قد يتحول إلى خسائر واسعة إذا بقي الطلب المحلي ضعيفا، إلا أن ذلك لا يلغي ضرورة وجود سقف واضح يمنع سحب كميات مؤثرة من السوق.

 

في الوقت نفسه يشير العناني إلى أن كبر حجم الإنتاج يسمح بالتوسع الخارجي دون رفع الأسعار محليا، وهي فرضية تظل مرتبطة باستمرار الإنتاج بالمعدلات الحالية وعدم تعرض الأعلاف أو الطاقة أو الأمراض لاضطرابات تضغط على المعروض.

 

لكن الصورة لا تتوقف عند الفائض، لأن صناعة الدواجن شديدة الحساسية لدورات الإنتاج القصيرة، وأي خروج جماعي للمربين بعد فترة خسائر قد يحول الوفرة الحالية سريعا إلى نقص، فتنتقل الأزمة من المنتج إلى المستهلك.

 

لذلك تصبح الأولوية بناء آلية مرنة تربط التصدير بالمخزون الفعلي والإنتاج الأسبوعي والأسعار المحلية، بدلا من التعامل مع أرقام سنوية مجمعة لا تكشف التذبذب الموسمي ولا الفروق الكبيرة بين المزارع المنظمة وصغار المنتجين.

 

 

المربون تحت ضغط الخسائر

 

ويحذر ثروت الزيني نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن من أن تراجع الأسعار كبد بعض المربين خسائر وصلت إلى نحو 40 جنيها في الطائر، مؤكدا أن استمرار النزيف قد يدفع منتجين إلى الخروج من السوق.

 

وبناء على ذلك يمكن فهم البحث عن أسواق خارجية باعتباره محاولة لإنقاذ هوامش الربح، لكن إنقاذ القطاع لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة تخدم المصدرين وحدهم بينما يبقى صغار المربين تحت ضغط الأعلاف والتمويل والتقلبات.

 

ومن ثم تحتاج الحكومة إلى إعلان معايير عادلة تسمح لصغار المنتجين بالوصول إلى منظومة التصدير من خلال تجمعات أو عقود شراء وضمانات، بدلا من احتكار الشركات الكبرى للعائد الخارجي وترك الحلقة الأضعف تواجه الخسائر منفردة.

 

علاوة على ذلك تكشف أزمة التسعير أن المشكلة ليست فقط في حجم الإنتاج، بل في غياب سوق منظمة تعطي سعرا مرجعيا شفافا، وهو ما يضاعف مخاطر أي توسع تصديري إذا بقيت الأسعار المحلية خاضعة للتقلبات الحادة.

 

وفي هذا السياق يصبح من الضروري أن تنشر الوزارة بيانات دورية عن التكلفة الحقيقية للإنتاج والكميات المتاحة للتصدير وحجم المخزون، حتى لا تتحول عبارة الفائض إلى مبرر دائم لقرارات لا يستطيع المنتج أو المستهلك مراجعتها.

 

 

الأعلاف تهدد الاستدامة

 

ويرى أحمد جلال عميد كلية الزراعة بجامعة عين شمس سابقا أن الأعلاف تمثل التحدي الأكبر أمام صناعة الدواجن، وهو ما يعيد النقاش إلى اعتماد القطاع على مدخلات أساسية مستوردة تتأثر بسعر العملة وتكاليف النقل العالمية.

 

كما يلفت هذا التشخيص إلى تناقض واضح في توسيع الصادرات بينما تظل قاعدة الإنتاج نفسها مرتبطة بالخارج في جانب مهم من تكلفتها، فكل اضطراب في الذرة أو الصويا أو النقد الأجنبي يمكن أن يضغط على المربين.

 

وبالتالي فإن بناء صناعة تصديرية مستقرة يتطلب أولا سياسة أعمق لزيادة إنتاج مكونات الأعلاف محليا، وتحسين كفاءة التحويل الغذائي، وتوفير تمويل للمزارع، وإلا ستبقى القدرة على الوفاء بعقود التصدير معرضة لهزات لا تملك الشركات التحكم فيها.

 

إلى جانب ذلك تحتاج الخطة إلى ربط الاستثمارات التركية المستهدفة بنقل معرفة حقيقية وليس مجرد شراء منتجات مصرية وإعادة توزيعها، بحيث تستفيد المصانع والمجازر والمزارع من تقنيات التبريد والتعبئة والجودة والتتبع والوصول المباشر للأسواق.

 

أما على المستوى الإنساني، فإن أي استراتيجية لزيادة صادرات الغذاء يجب أن تقاس أيضا بقدرتها على تحسين دخل المنتج دون زيادة العبء على الأسر، لأن الدواجن تظل أحد أهم بدائل البروتين الأقل كلفة لقطاعات واسعة.

 

وفي النهاية تبدو تركيا بوابة محتملة لتوسيع حضور الدواجن المصرية، لكن الخطة ستظل ناقصة ما لم تحدد الحكومة أرقاما مستهدفة وضمانات للسوق المحلية وقواعد لتوزيع المكاسب، بدلا من الاكتفاء بخطاب عام عن الاستثمار وفتح الأسواق.

 

وعليه فإن الاختبار الحقيقي لن يكون عدد الزيارات أو الاتفاقات، بل ما إذا كانت الحكومة ستنجح في تحويل الفائض إلى عائد مستدام للمربين، مع إبقاء الدواجن متاحة للمستهلك المصري بسعر عادل ومنع الشركات الأكبر من احتكار الفرصة.