بدأت طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عملية انتشال جثامين 13 فلسطينيا من تحت أنقاض منزل لعائلة غربية في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، في مشهد يعيد فتح ملف آلاف المفقودين الذين لا تزال جثامينهم تحت الركام منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع، بالتزامن مع حملة اقتحامات واعتقالات واسعة نفذتها قوات الاحتلال في مناطق متعددة من الضفة الغربية المحتلة.

 

وتأتي عمليات الانتشال في ظل نقص حاد في المعدات الثقيلة والوقود وأدوات الحماية، بينما يواصل العاملون في الدفاع المدني البحث بأدوات محدودة داخل مبان مدمرة بصورة كاملة، في وقت تتسع فيه الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية لتشمل المداهمات والاعتقالات والتفتيش الميداني واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

 

 

جثامين تحت الركام

 

قال المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل إن المنزل المستهدف مكون من عدة طوابق، وإن القوات الإسرائيلية قصفته خلال الأيام الأولى من الحرب، ما أدى إلى استشهاد عدد كبير من الفلسطينيين الذين كانوا بداخله، قبل انتشال جزء من جثامين الضحايا لاحقا.

 

وأوضح بصل أن 13 جثمانا ما زالت تحت الأنقاض، تعود لأطفال ونساء ومسنين، فيما تحاول الطواقم الوصول إليهم وسط صعوبات كبيرة ناجمة عن حجم الدمار وغياب الآليات الثقيلة اللازمة لإزالة الكتل الخرسانية والوصول إلى الطبقات السفلية من المبنى.

 

وأشار إلى أن طواقم الدفاع المدني تواجه عجزا حادا في المعدات والأدوات والاحتياجات اللوجستية والوقود، إضافة إلى نقص معدات الحماية الشخصية التي يحتاجها العاملون أثناء التعامل مع الجثامين والرفات والمواد الناتجة عن عمليات رفع الأنقاض.

 

وأضاف أن عناصر الدفاع المدني يضطرون في بعض المواقع إلى العمل بأيديهم العارية، رغم المخاطر الصحية والجسدية التي تواجههم، مؤكدا أن استمرار العمل بالإمكانات الحالية يعني أن عملية انتشال جميع الضحايا قد تستغرق سنوات طويلة.

 

وتندرج العملية الحالية ضمن المرحلة الثانية من مشروع انتشال جثامين الفلسطينيين من تحت أنقاض المباني المدمرة، وهي المرحلة التي أطلقها الدفاع المدني في 19 يوليو الماضي بعد أشهر من تعثر عمليات البحث بسبب نقص المعدات والوقود.

 

وكانت المرحلة الأولى قد انطلقت في نوفمبر 2025، وامتدت لنحو 500 ساعة عمل، وتمكنت خلالها الطواقم من انتشال 333 جثمانا من أصل 559 مفقودا تحت أنقاض 54 منزلا ومبنى، بينما بقي نحو 226 جثمانا دون انتشال.

 

وبحسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الصادرة في أكتوبر 2025، بلغ عدد المفقودين الفلسطينيين منذ بدء الحرب نحو 9500 شخص، بينهم من لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض، وآخرون لم يعرف مصيرهم حتى الآن.

 

 

حملة اعتقالات واسعة

 

وبالتزامن مع استمرار عمليات البحث في غزة، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر وصباح الأربعاء حملة اقتحامات ومداهمات واسعة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، تخللتها اعتقالات وتفتيش للمنازل واحتجاز عدد من الفلسطينيين وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية.

 

وشملت الاقتحامات محافظة جنين، حيث دخلت القوات بلدات سيلة الظهر وعرابة وكفر راعي والسيلة الحارثية واليامون، إضافة إلى قرى عربونة وبرطعة وحي خروبة شمالي المدينة، مع تنفيذ عمليات مداهمة وتفتيش موسعة داخل منازل السكان.

 

وفي سيلة الظهر، اعتقلت قوات الاحتلال عددا من الشبان خلال عمليات الاقتحام، كما اعتقلت شابا من حي خروبة وعددا من العمال في قرية برطعة، وسط انتشار عسكري وإغلاق لبعض الطرق المؤدية إلى المناطق التي شهدت المداهمات.

 

وفي محافظة رام الله والبيرة، اقتحمت القوات بلدات بيرزيت وترمسعيا وقرية دير قديس، ونفذت عمليات تفتيش واسعة داخل المنازل، بالتزامن مع اعتقال الصحفي محمد عوض بعد مداهمة منزله في بيتونيا غربي رام الله.

 

وأظهرت الإفادات الميدانية أن قوات الاحتلال اقتادت الصحفي محمد عوض مكبلا ومعصوب العينين، كما اعتقلت ضياء الزبيدي وتوفيق رفيق جبر، وسط استمرار عمليات التفتيش والاحتجاز التي طالت مناطق متعددة من المحافظة.

 

وفي الوقت نفسه، هاجم مستوطنون تجمع أبو فلاح المجاور لقرية الطيبة، كما استهدفوا مركبة فلسطينية بالحجارة وغاز الفلفل بين قريتي المغير وأبو فلاح، في استمرار للاعتداءات التي تتزامن بصورة متكررة مع تحركات قوات الاحتلال.

 

 

تصعيد يمتد إلى نابلس والخليل

 

وفي محافظة نابلس، اقتحمت القوات الإسرائيلية المنطقة الشرقية للمدينة عبر حاجز حوارة، بالتزامن مع دخول مجموعات من المستوطنين بسياراتهم، كما داهمت بلدة كفر قليل واعتقلت الشاب ياسر مرجان عقب عمليات تفتيش ميداني داخل البلدة.

 

وامتدت الحملة إلى محافظة الخليل، حيث داهمت القوات خربة وادي الرخيم في مسافر يطا واعتقلت الأخوين صلاح ومحمد إبراهيم شنان، بينما شهد مخيم العروب مواجهات أطلقت خلالها القوات الإسرائيلية الرصاص الحي قبل اعتقال الشاب نسيم الطيطي.

 

وتأتي هذه الاعتقالات بعد يوم شهد توقيف ما لا يقل عن 23 فلسطينيا في مناطق مختلفة من الضفة، ما يعكس استمرار نمط الاقتحامات اليومية الذي يشمل المداهمات الليلية وتفتيش المنازل وتخريب محتوياتها واحتجاز المواطنين لساعات طويلة.

 

وبينما لم تسجل التقارير الميدانية خلال حملة الأربعاء سقوط شهداء أو إصابات خطيرة حتى الساعات الأولى من الصباح، فإن اتساع نطاق الاقتحامات واعتداءات المستوطنين يضيف مستوى جديدا من الضغط على السكان الفلسطينيين في الضفة.

 

وفي المقابل، تبدو صورة غزة أكثر قسوة مع استمرار استخراج الجثامين من تحت الركام بعد شهور طويلة من القصف، في وقت لا تزال فرق الدفاع المدني تفتقر إلى الحد الأدنى من الأدوات اللازمة لإنجاز عمليات البحث بصورة آمنة وسريعة.

 

ويجمع المشهد بين قطاع ما زال يحصي ضحاياه من تحت أنقاض المنازل، وضفة تشهد اقتحامات واعتقالات متكررة، بما يعكس استمرار آثار الحرب والانتهاكات على الفلسطينيين حتى مع انتقال جانب من المواجهة إلى عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين.