كتب محمد القرضاوي أن تطورات القرن الأفريقي تجاوزت مجرد التنافس الدبلوماسي على النفوذ، وأصبحت ترتبط بثلاث قضايا استراتيجية متداخلة، هي أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومستقبل وصول إثيوبيا إلى الموانئ البحرية، والتنافس على المياه والمصالح الاستراتيجية في حوض النيل. وفي هذا السياق، تتحرك مصر لتعزيز علاقاتها مع إريتريا والصومال، بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي والبحري، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية التي تختبر بصورة دقيقة التوازن بين حماية المصالح الوطنية ومنع اتساع نطاق الصراع الإقليمي.
وبحسب ما ذكره القرضاوي ونشره موقع «صوت الإمارات»، تكشف مراجعة الاتفاقيات والبيانات الرسمية والدراسات القانونية والاقتصادية أن أهمية التقارب المصري الإريتري تتجاوز الرسائل السياسية إلى إمكانية تأسيس مصالح اقتصادية وبحرية طويلة الأمد. غير أن تقييم قيمة هذه الشراكة يتطلب التمييز بين ما تحقق بالفعل، وما لا يزال في مراحل الاتفاق والتخطيط، وبين المخاوف الاستراتيجية التي تستند إلى وقائع والسيناريوهات التي لم تتحقق بعد.
الشراكة المصرية الإريترية.. من التقارب السياسي إلى المصالح البحرية والاقتصادية
وقعت مصر وإريتريا في 16 مايو 2026 اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري، خلال زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير إلى أسمرة، بحضور الرئيس الإريتري أسياس أفورقي. ووفقًا لما أعلنه قطاع النقل البحري واللوجستيات المصري، تستهدف الاتفاقية تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين، ودعم التجارة والاستثمار، والاستفادة من موقعهما الاستراتيجي على البحر الأحمر. ولا تضمن الاتفاقية، في حد ذاتها، تشغيل خط ملاحي منتظم أو إنشاء ممر تجاري جديد، لكنها تضع إطارًا للتعاون الاقتصادي.
وتستمد الاتفاقية أهميتها من ارتباطها بمسار أوسع لتطوير العلاقات الثنائية. ففي يونيو 2026، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن الجانبين ناقشا تفعيل اتفاقية النقل البحري، وزيادة التجارة والاستثمارات، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص المصري في السوق الإريترية، مع التركيز على قطاعات البنية التحتية وتطوير الموانئ والثروة السمكية والأدوية والتعدين. غير أن القيمة العملية لهذه المبادرات تظل مرتبطة بظهور مشروعات محددة، وجداول زمنية للتنفيذ، واستثمارات معلنة، وبيانات ترصد نمو التجارة وحركة الشحن بين البلدين.
وفي 25 سبتمبر 2026، أكد وزيرا خارجية مصر وإريتريا أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية الدول المطلة عليه، وفقًا لبيان أصدرته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية. وشدد الجانبان على رفض ترتيبات أو أدوار أمنية تفرضها أطراف غير مطلة على البحر الأحمر، وكذلك رفض فرض أي وصول بحري يخالف القانون الدولي.
ويعكس هذا الموقف رؤية مصرية تربط أمن الممرات البحرية باحترام سيادة الدول الساحلية، وتعتبر الاستقرار الإقليمي شرطًا لحماية التجارة والمصالح الاقتصادية.
وتنبع أهمية هذا الموقف من الطبيعة الجغرافية للبحر الأحمر، الذي يرتبط بخليج عدن والمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، ويتصل بقناة السويس شمالًا. ويمكن لأي اضطراب طويل الأمد على هذا المسار أن يؤثر في جداول الشحن وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد، حتى إذا وقع الاضطراب خارج المياه الإقليمية المصرية.
لكن التأكيد على دور الدول المطلة على البحر الأحمر لا يستبعد تلقائيًا التعاون الدولي في مكافحة القرصنة وتأمين الملاحة، إذ تظل طبيعة الترتيبات الأمنية ومدى توافقها مع القانون الدولي عاملين أساسيين في تقييمها.
وعلى صعيد أوسع، اتفق قادة مصر وإريتريا والصومال، خلال القمة الثلاثية التي عقدت في أسمرة في 10 أكتوبر 2024، على تعزيز التنسيق السياسي والأمني، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، وبناء قدرات المؤسسات الصومالية لحماية الحدود ومكافحة الإرهاب.
وتناول البيان المشترك أيضًا أمن الدول المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وأعلن الاتفاق على إنشاء لجنة ثلاثية لوزراء الخارجية لمتابعة التعاون. وعقدت اللجنة أول اجتماع وزاري لها في يناير 2025 لمناقشة خطوات تنفيذ هذه التفاهمات وتعزيز التنسيق بشأن أمن القرن الأفريقي.
ويمنح هذا الإطار العلاقات الثلاثية طابعًا مؤسسيًا يتجاوز مجرد عقد اجتماعات دورية، إلا أن تقييم نتائجه يتطلب متابعة مدى تحوله إلى برامج تعاون مستدامة ومشروعات ملموسة. وترتبط استقرار الصومال، بالنسبة إلى مصر، بأمن موانئه وحدوده البحرية في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة مع تحديات الإرهاب والتنافس الإقليمي.
أما تصوير التنسيق الثلاثي باعتباره تحالفًا عسكريًا موجهًا حصريًا ضد إثيوبيا، فلا يقدم البيان المشترك دليلًا على ذلك، إذ ركز على أمن الصومال وسيادته والتعاون بين الدول الثلاث.
إثيوبيا والبحر الأحمر.. بين الاحتياجات التجارية والسيادة
تكتسب قضية وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أهمية خاصة، إذ أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد بصورة كبيرة على موانئ دول أخرى في تجارتها الخارجية.
وفي يناير 2024، أثار التفاهم الذي توصلت إليه إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال بشأن الوصول إلى الساحل وإمكانية إنشاء منشأة بحرية نزاعًا مع الحكومة الصومالية، التي اعتبرت الخطوة انتهاكًا لسيادتها وسلامة أراضيها.
وفي ديسمبر 2024، فتحت «إعلان أنقرة» بين إثيوبيا والصومال مسارًا للتفاوض بشأن ترتيبات تتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر عبر الأراضي الصومالية، مع احترام سيادة الصومال.
وقدمت دراسة أكاديمية نشرتها «مجلة فوردهم للقانون الدولي» عام 2024 تمييزًا قانونيًا مهمًا، إذ أشارت إلى أن الدولة الحبيسة تتمتع بمصالح وحقوق تتعلق بالوصول إلى البحر بموجب أطر القانون الدولي، لكن ذلك لا يمنحها تلقائيًا حق امتلاك ميناء أو أراضٍ تابعة لدولة أخرى.
ودعت الدراسة إلى حل النزاع بين إثيوبيا وإريتريا عبر التفاوض والتعاون والتكامل الإقليمي. ويسمح هذا التمييز لمصر بطرح موقفها استنادًا إلى احترام سيادة الدول والقانون الدولي، من دون إنكار الاحتياجات التجارية لإثيوبيا أو اعتبار كل مسعى لتأمين منفذ بحري تهديدًا في حد ذاته.
ويمثل سد النهضة بدوره مصدرًا للخلاف الاستراتيجي بين مصر وإثيوبيا، إذ تصر القاهرة على التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل بما يحمي مصالح دولتي المصب، مصر والسودان.
وفي المقابل، يتعلق ملف البحر الأحمر بالأمن البحري والسيادة على السواحل والموانئ والترتيبات الإقليمية. ورغم اختلاف السياقين القانوني والجغرافي لكل ملف، فإن تزامنهما مع تصاعد التوترات في القرن الأفريقي يستدعي بحث تأثيرهما المشترك في حسابات السياسة الخارجية المصرية.
لكن الربط بين القضيتين يتطلب قدرًا من الانضباط التحليلي؛ فالتزامن لا يثبت وجود خطة موحدة أو تنسيق عسكري يستهدف مصر. كما أن الخلاف بشأن سد النهضة لا يلغي ضرورة التمييز بين المطالب الإثيوبية المتعلقة بالتجارة والوصول إلى الموانئ وبين أي إجراءات تنتهك سيادة الدول المجاورة.
وتستفيد المقاربة المصرية من الفصل بين هذه المسارات، واستخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية لحماية مصالحها المائية والبحرية، بدلًا من دمج جميع الخلافات في رواية واحدة لا تدعمها الأدلة.
قناة السويس وتصاعد التوترات.. تداعيات اقتصادية وحسابات أمنية متشابكة
يشير تقرير «استعراض النقل البحري 2025» الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» إلى أن الاضطرابات في البحر الأحمر دفعت السفن إلى سلوك طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة المسافات المقطوعة وتكاليف التشغيل، وأضعف موثوقية سلاسل الإمداد.
وأشار التقرير إلى أن حمولة السفن العابرة لقناة السويس في مايو 2025 ظلت أقل بنحو 70% من مستويات عام 2023. وتبرز هذه الأرقام مدى ارتباط الأمن البحري بالاقتصاد المصري، حتى عندما تنشأ الاضطرابات بعيدًا عن الموانئ المصرية.
وتشير هذه العوامل إلى أن استقرار البحر الأحمر ومضيق باب المندب لا يمثل قضية سياسية فحسب، بل يعد عاملًا رئيسيًا في تنافسية قناة السويس وتكاليف التجارة الدولية.
لكن لا يمكن افتراض أن تعزيز التعاون المصري الإريتري سيؤدي بمفرده إلى زيادة إيرادات قناة السويس أو إعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة، إذ تعتمد هذه النتائج على عوامل أوسع تشمل مستويات المخاطر الأمنية وقرارات شركات الشحن والتأمين واستقرار الطرق البديلة. وفي هذا السياق، ترتبط قيمة الشراكات الإقليمية بقدرتها على دعم الاستقرار الحقيقي، وليس بمجرد توقيع الاتفاقيات.
وتصاعد الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا في الأول من أكتوبر 2026، بعدما أعلنت أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا. وبالتزامن مع ذلك، اتخذت الدولتان إجراءات دبلوماسية متبادلة مع مصر، عقب إعلان إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا شخصًا غير مرغوب فيه ورد القاهرة بالمثل.
ووفقًا لرويترز، دعا الاتحاد الأفريقي في 2 أكتوبر الدول الثلاث إلى ضبط النفس وتسوية خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي.
وجاء هذا التصعيد على خلفية توترات داخلية في إثيوبيا وتجدد القتال في إقليم تيجراي، وسط اتهامات إثيوبية، نفتها أسمرة، بدعم إريتريا جماعات مسلحة.
أما الاتهامات المتعلقة بدعم مصر جماعات معارضة، فلا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة في ظل غياب أدلة مستقلة. ويكمن الخطر الرئيسي في تداخل الأزمات الداخلية مع النزاعات بين الدول، بما قد يوسع نطاق التوتر ويعقد جهود الوساطة، وهو ما يجعل خفض التصعيد مصلحة إقليمية تتجاوز حسابات أي طرف بمفرده.
وتتوقف القيمة الاستراتيجية للتقارب المصري الإريتري على قدرته على تحقيق نتائج قابلة للقياس، وفي مقدمتها تنفيذ اتفاقية النقل البحري، وزيادة حجم التجارة، وتطوير مشروعات الموانئ والبنية التحتية، وتوسيع مشاركة الشركات المصرية، وإنشاء آليات منتظمة للتشاور السياسي.
ورغم أن البيانات الرسمية الصادرة في مايو ويونيو وسبتمبر 2026 توفر أساسًا لمتابعة هذه الملفات، فإنها لا تقدم في حد ذاتها دليلًا على تشغيل خطوط ملاحية جديدة أو تحقيق زيادة ملموسة في التجارة والاستثمار.
وبناءً على ذلك، لا يرتبط تقييم الشراكة بعدد الاجتماعات أو قوة البيانات بقدر ما يرتبط بالمصالح الاقتصادية المتبادلة والتعاون المستدام واحترام القانون الدولي الناتج عنها.
ويمكن لمصر تعزيز حضورها الإقليمي عبر الدبلوماسية والتكامل الاقتصادي ودعم استقرار الدول الساحلية، مع تجنب تصعيد النزاعات إلى مواجهات مفتوحة. وفي منطقة تتشابك فيها المياه والتجارة والموانئ والأمن بصورة وثيقة، يصبح إنشاء ترتيبات مستقرة وقابلة للتنفيذ عنصرًا أساسيًا في حماية المصالح المصرية.
وتكشف التطورات أن الشراكة المصرية الإريترية تتحرك على مسارين متكاملين: تعاون اقتصادي وبحري تسعى القاهرة وأسمرة إلى تفعيله، وتنسيق سياسي بشأن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ورغم أن الموقع الجغرافي لإريتريا يمنح هذه العلاقة أهمية واضحة، فإن تحويلها إلى مكاسب استراتيجية مستدامة يظل مرتبطًا بالتنفيذ الفعلي للاتفاقيات، ووضوح المصالح المشتركة، وقدرة الأطراف على تجنب التصعيد.
وفي التعامل مع إثيوبيا، يظل من الضروري الفصل بين قضايا المياه والمجال البحري والتجارة، مع الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول. ولا تعني حاجة إثيوبيا، بصفتها دولة حبيسة، إلى البحث عن حلول تجارية امتلاكها حق انتهاك سيادة أراضي الدول الأخرى، كما أن حماية المصالح المصرية لا تستلزم افتراض مواجهة حتمية.
وفي إطار هذين المبدأين، تتحدد مسارات حماية المصالح المصرية على نحو أكثر استدامة عبر شراكات إقليمية قابلة للقياس، ودبلوماسية نشطة، وأمن بحري قائم على التعاون واحترام السيادة.
https://www.voiceofemirates.com/en/politics/2026/10/02/the-red-sea-in-egyptian-national-security-calculations-what-lies-behind-the-maritime-partnership-with-eritrea/

