نفذت القوات المسلحة مشروع مراكز القيادة الاستراتيجي التعبوي بنطاق الجيش الثاني الميداني لعدة أيام، بحضور وزير الدفاع أشرف سالم زاهر ورئيس الأركان أحمد خليفة، في تدريب لاختبار إدارة العمليات واتخاذ القرار ومواجهة المتغيرات المفاجئة.

 

لكن الاكتفاء بوصف التمرين بأنه جزء من الخطة السنوية يحجب نصف الصورة، فالمناورة تجري في نطاق يتقاطع مع 4 دوائر توتر ممتدة من غزة والبحر الأحمر إلى هرمز وليبيا، بينما تتعرض المصالح المصرية لضغوط أمنية واقتصادية متزامنة.

 

وبداية من طبيعة التدريب نفسه، لم تكن الفعاليات استعراضًا للأسلحة أو اختبارًا لوحدات قتالية منفردة، بل مراجعة لقرارات القادة أثناء إدارة عمليات افتراضية ومناقشة أسلوب تنفيذ المهام والتعامل مع المتغيرات خلال سيناريوهات متعددة.

 

كما أن حضور وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية يمنح المشروع وزنًا يتجاوز التدريب المحلي المعتاد، لأن القيادة العليا تابعت بصورة مباشرة كيفية بناء القرار وتنسيق المهام بين المستويات المختلفة أثناء إدارة المواقف المفترضة.

 

ومن ثم، فإن اختيار الجيش الثاني الميداني يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى نطاق مسؤوليته في الاتجاه الشمالي الشرقي، الذي يشمل الحدود الشرقية ومناطق من الساحل وتأمين قناة السويس باعتبارها أحد أهم شرايين الدولة الاقتصادية.

 

وفوق ذلك، تتزامن المناورة مع مرحلة لم تعد فيها التهديدات المحيطة بمصر مقصورة على حرب تقليدية، بعدما أصبحت المسيّرات واضطراب الملاحة واستهداف منشآت الطاقة والتحولات المفاجئة على الحدود عناصر حاضرة في حسابات الأمن القومي.

 

عقل الحرب تحت الاختبار

 

وفي هذا الإطار، يرى اللواء سمير فرج أن مراكز القيادة تمثل العقل الذي تُدار منه الأزمات، وأن جمع المعلومات وتنسيق تحركات الجهات المختلفة يقللان زمن الاستجابة ويمنحان صانع القرار قدرة أكبر على مواجهة التطورات المفاجئة.

 

وبناء على ذلك، فإن جوهر مشروع الجيش الثاني هو اختبار الدورة التي تسبق إطلاق النار، بداية من استقبال المعلومات وتحليلها وبناء صورة الموقف، وصولًا إلى اختيار البدائل وإصدار الأوامر ومراقبة التنفيذ وتصحيح القرار.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف مناقشة وزير الدفاع للقادة بشأن القرارات التي اتخذوها أثناء السيناريوهات أن التقييم استهدف كفاءة التفكير تحت الضغط، وليس مجرد الالتزام بخطة محفوظة سلفًا لا تتغير مع تطور الأحداث.

 

وبالتالي، يختلف هذا النوع من المشروعات عن المناورات التي تركز على كثافة النيران أو حركة الوحدات، لأنه يقيس قدرة منظومة القيادة على جعل القوات المختلفة تعمل كجسم واحد عندما تتغير المعطيات بصورة متسارعة.

 

وفي المقابل، تبدو عبارة الخطة السنوية قاصرة عن تفسير أهمية التوقيت، إذ يمكن أن يكون التدريب مقررًا مسبقًا بالفعل، بينما يظل السياق المحيط به عاملًا يضاعف قيمته ويمنحه دلالات تتجاوز الجدول التدريبي المعتاد.

 

كذلك، لا يعني تحليل التوقيت أن مصر تستعد لحرب محددة أو مواجهة مع طرف بعينه، لكنه يعني أن القيادة تختبر قدرتها على التعامل مع سيناريوهات أصبحت أقرب إلى الواقع نتيجة الاضطرابات المتعددة المحيطة بالحدود والممرات البحرية.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح المطلوب من مركز القيادة الجمع بين صور تهديد مختلفة، لأن أزمة على الحدود الشرقية قد تتزامن مع اضطراب في الملاحة أو منشآت الطاقة، بما يفرض اتخاذ قرارات متوازية دون فقدان السيطرة.

 

القناة وسيناء في الواجهة

 

وفي تقدير اللواء نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية ورئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، تبدأ الحروب فعليًا قبل إطلاق الرصاص عبر الاستعداد وجمع المعلومات وبناء القدرة على توقع تحركات الخصم، وهي فلسفة تفسر أهمية تدريبات القيادة المسبقة.

 

وإلى جانب ذلك، يقع الجيش الثاني في اتجاه استراتيجي يرتبط مباشرة بسيناء وقناة السويس والحدود الشمالية الشرقية، وهي منطقة تجمع بين اعتبارات الدفاع عن الأرض وحماية ممر اقتصادي تعتمد عليه الدولة في التجارة والإيرادات.

 

وفي الوقت نفسه، جاء التدريب بعد هجوم المسيّرة على سفن غاز في دمياط، وهو تطور كشف أن مصادر الخطر الجديدة قد تصل إلى منشآت بحرية وطاقة بعيدة عن الصورة التقليدية للمواجهة المباشرة على الحدود.

 

وعلاوة على ذلك، ما زال البحر الأحمر وباب المندب مسرحًا لتوترات أثرت في حركة السفن العابرة لقناة السويس، الأمر الذي يجعل حماية المجرى الملاحي ومداخله ومحيطه جزءًا أكثر حساسية في أي حسابات دفاعية مصرية.

 

أما شرقًا، فإن استمرار هشاشة الوضع في غزة يبقي الحدود المصرية أمام احتمال تغير الظروف بسرعة، سواء في حركة المعابر أو الضغوط الإنسانية أو التطورات العسكرية المفاجئة التي قد تفرض إجراءات ميدانية واستعدادات إضافية.

 

لهذا، يبدو اختبار مركز القيادة في هذا النطاق أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على منع انتقال أزمة خارجية إلى الداخل، مع الحفاظ على أمن الحدود واستمرار الملاحة وعدم السماح بتداخل أكثر من تهديد في وقت واحد.

 

ومن زاوية أخرى، فإن الحديث عن جاهزية الجيش الثاني لا يتعلق بسيناء وحدها، لأن أي اضطراب في قناة السويس يمتد أثره سريعًا إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة، بما يحول حماية المنطقة إلى مهمة عسكرية واقتصادية متداخلة.

 

رسائل تتجاوز التدريب

 

وفي قراءة اللواء عادل العمدة، مستشار الأكاديمية العسكرية، فإن تدريبات المحاكاة الدورية تختبر قدرة مؤسسات القيادة على التنسيق في سيناريوهات قريبة من الواقع، وتكشف نقاط الضعف قبل وقوع الأزمة وتساعد على اتخاذ القرار في توقيته الصحيح.

 

وبالتوازي، فإن حضور أعلى قيادات القوات المسلحة يسمح بفحص سلسلة القيادة نفسها، لأن قيمة الخطة لا تتوقف على جودتها النظرية، وإنما على سرعة انتقال المعلومات والأوامر بين المستويات المختلفة عندما يصبح عامل الزمن حاسمًا.

 

وعليه، يمكن قراءة المشروع باعتباره رسالة جاهزية إلى الداخل والخارج دون تحويله إلى إعلان مواجهة، فإظهار القدرة على إدارة أزمات متزامنة يمثل بحد ذاته عنصر ردع أمام أي طرف يختبر قدرة الدولة على الاستجابة.

 

غير أن الرسالة الأهم داخليًا تتعلق بضرورة عدم التعامل مع البيئة المحيطة وكأنها مستقرة، فالتطورات الأخيرة أثبتت أن أمن الطاقة والملاحة والحدود يمكن أن يتعرض لاختبارات مفاجئة لا تمنح مؤسسات الدولة وقتًا طويلًا للتحرك.

 

وفي المقابل، يجب ألا يتحول إبراز التدريب إلى بديل عن تقديم معلومات أكثر وضوحًا للرأي العام بشأن طبيعة المخاطر، لأن الاكتفاء بصياغات عامة يترك مساحة واسعة للتكهنات بشأن أهداف المناورات والتهديدات التي تستعد لها القوات.

 

وبصرف النظر عن الرسائل الإعلامية، يبقى معيار نجاح المشروع هو قدرة مراكز القيادة على اكتشاف الخلل وتصحيح الخطط ورفع سرعة الاستجابة، وهي نتائج لا تظهر في مشاهد التدريب بقدر ما تظهر عند أول أزمة حقيقية.

 

وفي النهاية، يكشف تمرين الجيش الثاني أن المؤسسة العسكرية تختبر عقل إدارة العمليات في توقيت تحاصر فيه مصر جبهات مضطربة، بينما تظل عبارة الخطة السنوية صحيحة رسميًا لكنها غير كافية وحدها لفهم لماذا يكتسب هذا التدريب أهمية استثنائية الآن.