كشفت أجهزة التموين بمحافظة القليوبية ضبط مصنع غير مرخص في كفر شكر لإنتاج البسكويت، وعثرت داخله على نحو 1.8 طن من الخامات والمنتجات، بينها مواد منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر، فانتهت الحملة بالتحفظ عليها وإحالة الواقعة للتحقيق.

 

وبالتالي تجاوزت الواقعة حدود غش منتج غذائي لتطرح سؤالًا أشد خطورة عن منظومة سمحت لمنشأة كبيرة بالعمل والإنتاج والتوزيع خارج الترخيص، بينما دفع المستهلك ثمن قصور الرقابة من صحته وماله وثقته في الأسواق.

 

كما أن الحملة ضبطت برميل غلوكوز منتهي الصلاحية بوزن 100 كيلوغرام و3 كراتين زبدة منتهية بإجمالي 30 كيلوغرامًا، إلى جانب خامات مجهولة المصدر لا تحمل مستندات تثبت مسارها أو سلامة تداولها.

 

وفوق ذلك عثر المفتشون على برميل يحتوي لونًا أسود من الفحم النباتي المعروف بالرمز 153، إلى جانب 50 كرتونة بسكويت مكتمل التصنيع و55 شيكارة بسكويت مخصصة لإعادة التصنيع داخل المنشأة.

 

ومن ناحية أخرى لا تثبت المضبوطات وحدها أن مادة الفحم النباتي محظورة في كل استخدام غذائي، لكن جوهر المخالفة الموثقة يتمثل في مصنع بلا ترخيص وخامات منتهية ومجهولة المصدر وإنتاج يجري بعيدًا عن الرقابة الرسمية.

 

إضافة إلى ذلك يصبح السؤال الأهم هو كيف استطاعت منشأة بهذه القدرة الإنتاجية أن تعمل حتى لحظة المداهمة، بدل اكتشافها عند بدء النشاط، خصوصًا أن القانون والجهات المختصة يفترضان رقابة تسبق وصول المنتج إلى المستهلك.

 

ثغرات خلف أبواب المصنع

 

في هذا السياق يشدد أحمد السيد الدبيكي، نقيب العلوم الصحية، على أن المرور الدوري والمفاجئ على المصانع والمنشآت الغذائية يمثل خط الدفاع الأساسي، وأن المنشآت المخالفة وغير المرخصة تستوجب إجراءات عاجلة متى شكلت خطرًا على الصحة العامة.

 

وبالمثل يؤكد الدبيكي أهمية إعداد خرائط للبؤر التي تتكرر فيها المخالفات، وتحليل نتائج التفتيش الميداني بصورة مستمرة، بما يعني أن حماية السوق لا ينبغي أن تعتمد على الحملات المتقطعة أو انتظار ظهور فضيحة غذائية.

 

وعلى هذا الأساس تكشف واقعة كفر شكر خللًا لا يعالجه الاحتفاء بضبط المصنع، لأن نجاح الرقابة الحقيقي يقاس بمنع المنشأة المخالفة من الإنتاج والتوزيع أصلًا، لا باكتشافها بعدما تكون بضائعها قد تحركت بالفعل في الأسواق.

 

في المقابل تقول الجهات المحلية إن الحملة جاءت ضمن تكثيف الرقابة على المنشآت الغذائية، وإن جميع المضبوطات جرى التحفظ عليها واتخاذ الإجراءات القانونية، لكن البيان المنشور لم يحدد مدة عمل المصنع أو حجم ما سبق توزيعه.

 

علاوة على ذلك كانت هيئة سلامة الغذاء قد أعلنت منذ سنوات عدم السماح بتداول منتجات المصانع غير المسجلة لديها، حماية للمستهلك ومنعًا لإنتاج أغذية غير صالحة داخل أماكن لا تستوفي الاشتراطات، ما يفاقم التساؤل عن التنفيذ.

 

ومن ثم لا تبدو المشكلة نقصًا في النصوص أو الاختصاصات، بقدر ما تكشف فجوة بين القواعد المكتوبة وقدرة أجهزة الدولة على الوصول المستمر إلى المصانع غير المرخصة وتعقب المنتجات منذ التصنيع وحتى منافذ البيع.

 

غش يتجاوز واقعة واحدة

 

بدايةً يرى خالد ناجي، رئيس قسم بحوث هندسة تعبئة وتغليف الأغذية، أن استمرار الغش الغذائي رغم جهود المتابعة يفرض البحث في أسباب قصور الرقابة وآليات تداول المنتجات، بدل التعامل مع كل ضبطية باعتبارها حادثًا منفصلًا.

 

وفي السياق نفسه تكشف طبيعة النشاط المضبوط أن الغش لم يكن متعلقًا بمنتج عابر يباع سرًا، وإنما بخط إنتاج للبسكويت يستخدم خامات متنوعة ويخرج منتجات جاهزة، وهو ما يتطلب شراء مواد وتشغيل عمال وتعبئة ثم توزيع.

 

كذلك فإن وجود 1100 كيلوغرام من البسكويت المخصص لإعادة التصنيع داخل المصنع يثير تساؤلات مشروعة حول مصدر هذه الكميات وكيفية التعامل معها، خاصة مع وجود مواد أخرى منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر في الموقع نفسه.

 

وعلى الجانب الآخر لا يمكن الجزم بمدى الضرر الصحي لكل منتج قبل ظهور نتائج الفحوص المعملية، لكن استخدام خامات منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر داخل منشأة غير مرخصة يكفي لتبرير تدخل رقابي صارم لحماية المستهلك.

 

في الأثناء تتكرر الحملات الرسمية على الأسواق والمصانع، وقد أعلنت هيئة سلامة الغذاء خلال 2026 تنفيذ عشرات الزيارات الرقابية على منشآت التصنيع، ما يؤكد اتساع الجهاز الرقابي لكنه يثير أيضًا سؤال كفاءة التغطية والاستهداف.

 

فضلًا عن ذلك فإن ضبط منشأة بعد وصولها إلى مرحلة إنتاج كميات كبيرة يفرض مراجعة آليات تبادل البيانات بين التموين والصحة وسلامة الغذاء والمحليات، حتى لا تتحول الحدود بين الاختصاصات إلى مساحات يستطيع المخالف الاختباء داخلها.

 

رقابة تلاحق النتيجة

 

في هذا الصدد يحذر محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، من استمرار تحديات الغش التجاري وضعف الرقابة في الأسواق المصرية، رابطًا حماية المستهلك بوجود متابعة فعلية قادرة على منع تداول المنتجات غير المأمونة.

 

وبناءً على ذلك لا تكفي زيادة عدد المحاضر إذا ظلت المصانع السرية قادرة على شراء الخامات وتشغيل خطوط إنتاج وتسويق البضائع، لأن معيار النجاح الحقيقي هو تضييق المساحة التي تسمح للمنتج مجهول المصدر بالوصول إلى المواطنين.

 

أما من زاوية المستهلك فإن الخطر مضاعف، لأنه يشتري منتجًا يبدو مألوفًا في الشكل دون امتلاك وسيلة لمعرفة مصدر المواد الخام أو ظروف التصنيع، بينما تحتفظ أجهزة الدولة وحدها تقريبًا بأدوات الفحص والترخيص والتتبع.

 

ومع ذلك فإن تحميل المستهلك مسؤولية اكتشاف الغذاء المغشوش يقلب المعادلة، فالمواطن ليس مفتشًا ولا مختبرًا، ومسؤولية ضمان سلامة السلعة تقع أساسًا على المنتج والجهات الرقابية قبل أن تصل العبوة إلى أرفف المحلات.

 

إلى جانب ذلك كشفت التعليمات الصحية الصادرة في 2026 أهمية استمرار المرور المفاجئ على المصانع والمنشآت، واتخاذ قرارات الغلق والإيقاف عند الضرورة، وهو اعتراف عملي بأن الرقابة الميدانية المستمرة ضرورة وليست إجراءً استثنائيًا.

 

ومن جهة أخرى تبرز الحاجة إلى نشر نتائج التحقيقات النهائية في مثل هذه القضايا، بما يشمل مدة نشاط المصنع ومنافذ التوزيع والكميات التي خرجت للأسواق، حتى يعرف المواطن حجم الخطر بدل الاكتفاء بإعلان وزن المضبوطات.

 

لهذا فإن الحديث الرسمي عن حماية الأسواق سيبقى ناقصًا ما لم يتبعه نظام تتبع يسمح بسحب المنتجات التي سبق توزيعها، والكشف عن التجار المتعاملين مع المنشآت المخالفة، ومحاسبة كل حلقة ساعدت على استمرار النشاط.

 

وفي الوقت ذاته ينبغي التمييز بين ضبط المخالف بعد وقوع الضرر وبين منعه قبل التداول، لأن الحملات اللاحقة تحقق الردع القانوني، لكنها لا تستعيد منتجًا استهلكه مواطن بالفعل ولا تمحو المخاطر المحتملة التي تعرض لها.

 

وعليه تكشف واقعة كفر شكر أن القضية أكبر من برميل لون أو كمية بسكويت، فهي اختبار لقدرة الدولة على معرفة من ينتج غذاء المصريين، وأين يصنعه، وبأي خامات، وكيف ينتقل من المصنع إلى السوق.

 

وأخيرًا فإن العثور على 1.8 طن داخل مصنع غير مرخص يجب ألا يُغلق الملف عند صاحب المنشأة، بل يفتح مراجعة لمسار الرقابة نفسه، لأن سلامة الغذاء لا تبدأ بالمداهمة بعد الإنتاج وإنما بمنع الغش قبل وصوله للمائدة.