أقر مجلس الوزراء إنشاء منطقة حرة خاصة لصالح شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز على مساحة تقارب 738 ألف متر مربع بمدينة العلمين الجديدة، لتخزين وتداول المنتجات البترولية، بما يوسع حضور الشراكة الإماراتية داخل بنية الطاقة المصرية .
ويأتي القرار في وقت تتسع فيه سلطة الحكومة على إعادة ترتيب الأصول والمواقع العامة، بينما تتحمل الأسر المصرية ضغوطاً معيشية متراكمة، ما يضاعف أسئلة الأولويات والشفافية والعائد العام وحدود ما يمنح للمستثمر الأجنبي.
وبحسب القرار رقم 65 لسنة 2026، تقع المنطقة في الجزء الجنوبي من طريق الإسكندرية مطروح الساحلي، وتبلغ مساحتها 737915 متراً مربعاً تقريباً، ضمن نطاق يتصل بتوسعات ميناء الحمراء البترولي والبنية اللوجستية المحيطة به .
كما أن ما نشر عن القرار يشير إلى اشتراط توجيه كامل إنتاج المنطقة إلى التصدير، مع استهداف مكون محلي يقارب 50 بالمئة، وهي شروط تمنح الحكومة حجة اقتصادية، لكنها لا تجيب وحدها عن أسئلة الإدارة والرقابة وتوزيع العوائد .
وفي المقابل، يرتبط المشروع باتفاقات وقعتها وزارة البترول مع إمارة الفجيرة في أكتوبر 2025 لتأسيس شركة مساهمة مصرية ومنطقة لوجستية لتخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية، مع تطوير ميناء الحمراء ونقل الخبرات التشغيلية .
وعلاوة على ذلك، تراهن الوزارة على موقع العلمين المطل على البحر المتوسط، وعلى شبكة التخزين والنقل القائمة، لزيادة قدرة مصر على استقبال الخام وتداوله وشحنه، وربط الميناء بحركة تجارة الطاقة بين الأسواق الإقليمية والدولية .
ومن جهة أخرى، لا تبدو المنطقة الحرة مجرد مخازن جديدة، لأن نشاطها يرتبط بسلسلة أوسع تبدأ من استقبال النفط وتنتهي بالتداول والشحن والخدمات اللوجستية، بما يجعل طبيعة الحقوق الممنوحة للمستثمر جزءاً أساسياً من التقييم.
وبذلك، يتحول السؤال من حجم الاستثمار وحده إلى من يدير المنشآت، ومن يحدد سياسات التشغيل، وكيف توزع الإيرادات، وما الضمانات التي تمنع تحول الحاجة إلى العملة الأجنبية إلى تنازلات طويلة الأجل في قطاع حساس.
بوابة النفط الجديدة
وفي هذا السياق، يرى المهندس مدحت يوسف، عضو الجمعية المصرية للبترول، أن امتلاك مصر بنية تحتية قادرة على استقبال وتسييل ونقل الطاقة يمثل أساساً لتحويلها إلى مركز إقليمي، وهو منطق يدعم جدوى تطوير الحمراء .
وعلى المستوى الفني، تكمن قوة ميناء الحمراء في موقعه على المتوسط واتصاله بمنشآت تخزين ونقل قائمة، ما يقلل تكلفة إنشاء منظومة جديدة بالكامل، ويمنح المشروع فرصة عملية لجذب تجارة الخام والمنتجات العابرة للحدود .
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لتوسيع قدرات التخزين والتداول أن يولد إيرادات من الخدمات والشحن ويزيد استخدام الأصول القائمة، لكن ذلك يتوقف على حجم الحركة الفعلية، وأسعار الخدمات، ونصيب الجانب المصري من الأرباح والرسوم.
وإلى جانب ذلك، فإن نموذج المناطق الحرة يمنح المشروعات إطاراً استثمارياً خاصاً يشجع الأنشطة الموجهة للتصدير، وهو ما يرفع جاذبية المشروع للمستثمر، لكنه يجعل الإفصاح عن الحوافز والالتزامات أكثر ضرورة أمام الرأي العام .
لكن الخطر يبدأ عندما تختزل الحكومة نجاح المشروع في تدفق الدولار، لأن منشآت النفط لا تقاس فقط بحجم التمويل، بل بمقدار السيطرة على التشغيل والبيانات وسلاسل الإمداد والقدرة الوطنية على التدخل عند الأزمات.
كذلك، تحمل تجربة الفجيرة خبرة واسعة في التخزين وتداول النفط، ويمكن لمصر الاستفادة منها تقنياً وتشغيلياً، غير أن نقل الخبرة يفترض وجود التزامات واضحة بتدريب العمالة المحلية وتوطين المعرفة وعدم إبقاء الوظائف الحساسة بيد الشريك الأجنبي .
ومن ثم، فإن قيمة المشروع الحقيقية لا تظهر عند توقيع القرار، بل بعد معرفة حجم الاستثمارات المنفذة وفرص العمل ونسب المكون المحلي والعائد التصديري، وهي مؤشرات يجب نشرها دورياً حتى لا تبقى المكاسب مجرد وعود.
أما الحكومة، فتقدم المشروع ضمن استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة، وهي استراتيجية قد تحمل عائداً حقيقياً، لكن نجاحها يفترض أن تكون الدولة صاحبة القواعد والسياسات لا مجرد مضيف للبنية والموقع .
الدولار مقابل النفوذ
غير أن توسع الاستثمارات الإماراتية في العقارات والموانئ والطاقة والخدمات جعل كل صفقة جديدة تحمل حساسية مضاعفة، لأن تكرار الدخول إلى مواقع استراتيجية يخلق شبكة مصالح عابرة للقطاعات يصعب تقييمها بعائد مشروع منفرد .
ووفق ما طرحه الدكتور مدحت نافع، الكاتب والمحلل الاقتصادي، فإن بيع الأصول أو إتاحتها للمستثمر يجب أن يرتبط بأهداف معلنة تتجاوز المقابل المالي، مثل التشغيل والعائد التصديري، مع إفصاح يضمن الرقابة وعدالة التقييم .
بالتوازي، يؤكد نافع أن المواطن يملك حق التحقق من عدالة الصفقات بعد اكتمال التفاوض، وهي قاعدة تزداد أهميتها هنا لأن المنطقة الحرة ترتبط بميناء بترولي وموقع ساحلي ومنظومة لوجستية ذات قيمة تتجاوز العقار .
وفي ضوء ذلك، تصبح مطالبة الحكومة بنشر هيكل ملكية الشركة، ومدد الانتفاع، وآليات تسعير الخدمات، وتوزيع الأرباح، وضمانات استرداد الإدارة عند الضرورة مطلباً مشروعاً، لا موقفاً عدائياً من الاستثمار أو من المستثمر الإماراتي.
ومع ذلك، فإن الحاجة المصرية المستمرة إلى النقد الأجنبي تمنح المستثمر صاحب السيولة قوة تفاوضية إضافية، خصوصاً عندما تبحث الدولة عن تدفقات كبيرة وسريعة، وهو ما يستدعي رقابة أشد حتى لا تتحول السرعة إلى ضعف تفاوضي .
وعلى صعيد آخر، لا ينبغي تجاهل أن الاستثمار الأجنبي المباشر أفضل من تراكم ديون جديدة عندما يخلق نشاطاً إنتاجياً دائماً، لكن الأفضلية تسقط إذا اقتصر الأثر على دفعة دولارية مؤقتة أو عائد محدود مقابل امتيازات طويلة .
الرقابة قبل العائد
ويشير الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح، في تقييمه لصفقات كبرى مثل رأس الحكمة، إلى أن الاختبار الحقيقي ليس الأموال الداخلة لحظة التوقيع، بل مقدار الاستثمار والنشاط وفرص العمل والموارد المستمرة التي يخلقها المشروع لاحقاً .
لهذا، يجب قياس منطقة العلمين النفطية بعدد الوظائف المصرية، وحجم المشتريات المحلية، والعائد من الخدمات والتصدير، ونقل التكنولوجيا، لا بمساحتها أو قيمة الاستثمارات المعلنة وحدهما، لأن الأرقام الكبيرة لا تعني بالضرورة تنمية مستدامة.
وفي المحصلة، لا يثبت القرار بذاته وجود تفريط في السيادة، لكنه يفتح باباً مشروعاً للمساءلة حول حدود الإدارة الأجنبية في منشأة متصلة بالطاقة والموانئ، وحول قدرة الدولة على فرض شروطها إذا تعارض الربح مع المصلحة العامة.
وأخيراً، ستظل المعادلة الحاسمة هي قدرة مصر على جذب رأس المال والخبرة من دون تحويل أزماتها التمويلية إلى باب دائم لتوسيع نفوذ المستثمرين في المواقع الحساسة، وهو اختبار لا تحسمه البيانات الرسمية بل العقود والنتائج والشفافية.

