تفرض جامعات خاصة في مصر مصروفات لدراسة الطب قد تصل إلى 500 ألف جنيه سنوياً، بعدما أبعد التنسيق طلاباً عن تخصصاتهم بفروق محدودة، لتجد أسرهم نفسها أمام ديون أو بيع ممتلكات أو التخلي نهائياً عن الحلم الجامعي.
وتكشف هذه الوقائع اتساع فجوة قاسية بين ما تعلنه الدولة عن إتاحة التعليم وبين قدرة الأسر الفعلية على تحمله، إذ صار المال في حالات كثيرة بوابة بديلة للمجموع، بينما يدفع محدودو الدخل ثمن ضيق المقاعد وغلاء البدائل.
فارق الدرجات وفاتورة الطب
وبدايةً، تظهر حالة رضوى حجم الأزمة بوضوح، بعدما فصلتها درجتان ونصف فقط عن الطب الحكومي، فانتهى بها التنسيق إلى طب الأسنان، بينما بدأت أسرتها البحث عن منحة تتيح لها دراسة التخصص الذي اختارته دون انهيار مالي.
وفي المقابل، قالت والدتها إيمان محمدي إن الأسرة مستعدة لتحمل قرارات استثنائية، بينها بيع الشقة التي انتقلت إليها حديثاً والعودة إلى منزل العائلة، إذا كان ذلك سيمنح ابنتها فرصة دراسة الطب بدلاً من التخلي عن رغبتها.
ومن هنا، لا تعود المسألة مجرد اختيار بين جامعتين، بل تتحول إلى اختبار لقدرة الأسرة على التضحية بأصل مالي أساسي مقابل تعليم ابن أو ابنة، وهو ثمن يكشف اختلالاً عميقاً في العلاقة بين الاستحقاق الأكاديمي والقدرة الاقتصادية.
كذلك، تتجاوز مصروفات الطب في جامعات أهلية عديدة 150 ألف جنيه سنوياً، بينما تقترب الكلفة في بعض الجامعات الخاصة من مستويات أعلى بكثير، ما يضيف إلى الأسرة نفقات السكن والمواصلات والكتب والأدوات والمعيشة طوال سنوات الدراسة.
وعليه، فإن الطالب الذي يفقد مقعداً حكومياً بفارق محدود لا ينتقل فقط إلى جامعة أخرى، وإنما يدخل سوقاً تعليمية مختلفة جذرياً في تكلفتها، حيث قد يصبح الفارق بين درجتين أو ثلاث مئات الآلاف من الجنيهات خلال سنوات الدراسة.
ويرى الخبير التربوي كمال مغيث أن تفاوت مصروفات الجامعات الخاصة والمبالغة فيها يعكسان غياب معايير واضحة، وسبق أن انتقد التعامل مع التعليم بوصفه سلعة، محذراً من أن المنطق الربحي يضرب تكافؤ الفرص والعدالة التعليمية بين الطلاب .
وبحسب هذا التصور، فإن الأزمة لا تقتصر على ارتفاع الأرقام، وإنما تمتد إلى سؤال الرقابة على تحديد المصروفات، ومدى ارتباطها فعلياً بجودة التعليم والخدمات، ومن يتحمل مسؤولية حماية الأسر من سوق لا تملك أمامه خيارات متكافئة.
المنح لا تكفي الجميع
وفوق ذلك، ارتفع الحد الأدنى للطب البشري وفق الأرقام الواردة إلى 94% مقابل 93.1% سابقاً، وطب الأسنان إلى 93.2%، والصيدلة إلى 92%، وهي تحركات صغيرة رقمياً لكنها ثقيلة اجتماعياً على الأسر القريبة من حدود القبول.
وفي الوقت نفسه، تراجع الحد الأدنى للهندسة إلى 86.4% مقابل 89.8% في العام السابق، بما يوضح أن حركة التنسيق لا تعكس اتجاهاً واحداً، لكنها تظل شديدة الحساسية عندما تتعلق بتخصصات محدودة المقاعد ومرتفعة الكلفة خارج الجامعات الحكومية.
وبالتالي، يصبح التنسيق في نظر كثير من الأسر لحظة فاصلة لا بين تخصص وآخر فقط، بل بين مسار يمكن تمويله وآخر قد يستنزف دخل سنوات، وهو ما يجعل نتيجة الثانوية مرتبطة مباشرة بالقدرة على شراء فرصة تعليمية بديلة.
وعلاوة على ذلك، فإن توسع الجامعات الخاصة والأهلية لم يلغ المشكلة الأساسية المتمثلة في قدرة الأسرة على الدفع، لأن زيادة عدد المقاعد المدفوعة لا تعني تلقائياً توسيع فرص الالتحاق إذا بقيت الرسوم أعلى كثيراً من دخول قطاعات واسعة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال القضية في رفض التعليم غير الحكومي، فوجود بدائل متعددة قد يمنح الطلاب خيارات أوسع، لكن العدالة تظل مرتبطة بوجود منح كافية، وضوابط للرسوم، وشفافية تمنع تحول التخصصات الأعلى طلباً إلى امتياز مالي.
ويحذر الخبير التعليمي أيمن البيلي من إضعاف أدوات القبول التي تحفظ قدراً من العدالة للفقراء، وقد ربط سابقاً بين غياب تكافؤ الفرص واضطرار غير القادرين إلى ترك مسارات جامعية لا يستطيعون تمويلها في التعليم الخاص .
ومن ثم، تكشف حالة بوسي مهدي، الحاصلة على 90.6%، كيف يتحول الطموح إلى معادلة مالية، إذ كانت تأمل دراسة الطب، لكن أسرتها التي تتحمل تعليم أبناء آخرين لا تستطيع تغطية الرسوم المرتفعة في الجامعات الخاصة أو الأهلية.
لذلك، أصبحت المنحة بالنسبة إلى بوسي طريقاً شبه وحيد للوصول إلى تخصصها، لا مجرد مكافأة إضافية للتفوق، وهو ما يوضح أن برامج الدعم باتت تؤدي وظيفة تعويضية عن فجوة كبيرة بين رغبات الطلاب وقدرات أسرهم المالية.
وفي قنا، تواجه أسرة أخرى المأزق ذاته مع طالب حصل على 71.8%، بينما تعمل والدته موظفة ويعيش والده على المعاش، لتتراجع إمكانية دراسة الطب ويصبح الحصول على منحة للدراسة في كلية العلوم هدفاً أكثر واقعية.
البدائل وحدها لا تحمي
وبصورة أوسع، أعلنت وزارة التعليم العالي والبنك المركزي مبادرة علماء المستقبل لدعم الطلاب المتفوقين من ذوي الاستحقاق الاجتماعي، وتشمل منحاً تغطي المصروفات والإقامة والإعاشة، مع استمرار الاستفادة مشروطاً بالحفاظ على متطلبات البرنامج الأكاديمية.
كما أن بعض المنح الأخرى تشترط استمرار الطالب في تحقيق تقدير محدد، وهو شرط مفهوم لضمان الجدية، لكنه قد يتحول إلى مصدر خوف دائم لأسرة لا تملك خطة بديلة إذا فقد ابنها الدعم بعد بدء الدراسة.
ولهذا، تصبح شفافية شروط المنح ضرورة لا تفصيلاً إدارياً، إذ يجب أن تعرف الأسرة منذ البداية حدود الدعم، ومعايير استمراره، وما إذا كانت توجد فترات إنذار أو مسارات مساعدة قبل تحميل الطالب فجأة مصروفات يستحيل على أسرته دفعها.
ويشير الخبير التربوي حسن شحاتة إلى أهمية وجود بدائل متنوعة أمام الطلاب الذين لا يحققون المجاميع المستهدفة، مؤكداً في تصريحات سابقة أن الجامعات الأهلية والتكنولوجية توسع الخيارات، مع ضرورة اتخاذ قرارات تعليمية تناسب قدرات الطالب ومساره .
غير أن تعدد البدائل لا يحل الأزمة عندما تكون الكلفة نفسها حاجزاً، فاختيار جامعة أهلية أو خاصة يظل نظرياً بالنسبة إلى أسرة لا تستطيع تدبير 150 ألف جنيه أو أكثر كل عام، فضلاً عن بقية نفقات المعيشة والدراسة.
وبناءً على ذلك، فإن منحاً محدودة العدد لا تستطيع وحدها معالجة خلل واسع في تمويل التعليم الجامعي، لأن كل منحة تنقذ طالباً بعينه، بينما تبقى آلاف الأسر معلقة بين مجموع لا يكفي للحكومي ودخل لا يكفي للخاص.
فضلاً عن ذلك، تدفع الأسر ثمن سنوات سابقة من الدروس الخصوصية والكتب والمواصلات قبل الوصول إلى الجامعة، ثم تواجه فاتورة جديدة أكبر حجماً، بما يحول التعليم من مسار اجتماعي طبيعي إلى مشروع مالي طويل يحتاج إلى موارد استثنائية.
وفي نهاية المطاف، تكشف هذه الحالات أن تكافؤ الفرص لا يقاس بعدد الجامعات وحده، وإنما بقدرة الطالب المؤهل على الوصول إلى تخصص مناسب دون أن يكون دخل أسرته هو العامل الحاسم في تقرير مستقبله المهني والتعليمي.
وأخيراً، تضع أزمة رضوى وبوسي وغيرهما الحكومة أمام سؤال مباشر عن حدود مسؤوليتها في ضبط الرسوم وتوسيع المنح وزيادة المقاعد، لأن ترك الأسر بين بيع الممتلكات والتنازل عن الأحلام يعني أن الحق في الاختيار بات مشروطاً بالقدرة على الدفع.

