كشفت مراجعة للقوائم المالية وتشكيلات مجالس إدارات البنوك المصرية، استنادًا إلى رصد نشره الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في أغسطس 2026، وجود 13 وزيرًا حاليًا و22 وزيرًا سابقًا في مواقع مصرفية، إلى جانب مسؤولين حكوميين آخرين، بما أعاد ملف تضارب المصالح والمكافآت والحوكمة إلى الواجهة.
وتضع هذه الأرقام حكومة مصطفى مدبولي أمام سؤال مباشر عن حدود الفصل بين الوظيفة العامة ومقاعد الإدارة المصرفية، خصوصًا مع وجود مسؤولين يشاركون في صنع السياسات الاقتصادية أو إدارة أصول الدولة ثم يجلسون داخل بنوك تتأثر بتلك السياسات، بينما تكشف الإفصاحات عن مكافآت سنوية تصل إلى مئات الملايين من الجنيهات.
وزراء فوق مقاعد البنوك
وأورد الرصد اسم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عضوًا غير تنفيذي في مجلس إدارة المصرف العربي الدولي، كما أظهر عضوية نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية حسين عيسى في بنك فيصل الإسلامي وبنك الاستثمار القومي، وهي حالة تجمع منصبين مصرفيين إلى جانب موقع حكومي مؤثر في إدارة الملفات الاقتصادية للدولة.
كما يضم مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي وزير التخطيط أحمد رستم رئيسًا للمجلس ووزير الاستثمار محمد فريد عضوًا، بينما ترأس وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي مجلس إدارة بنك ناصر الاجتماعي، ويجلس وزير المالية أحمد كجوك في مجلس إدارة البنك العربي الأفريقي الدولي وفق البيانات التي اعتمد عليها الرصد.
وفي بنك التعمير والإسكان تظهر راندة المنشاوي وزيرة الإسكان وهاني سويلم وزير الموارد المائية وعلاء فاروق وزير الزراعة ضمن أعضاء المجلس غير التنفيذيين، وهو تمثيل حكومي كثيف داخل بنك واحد، كما أدرج الرصد شريف فاروق وزير التموين ضمن مجلس إدارة البنك المصري الخليجي في تشكيلاته المنشورة.
ويمتد الحضور إلى الوزراء السابقين، إذ يرأس عمرو الجارحي وزير المالية الأسبق مجلس إدارة ميد بنك، ويرأس زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق مجلس إدارة بنك الإسكندرية، فيما يرأس طارق قابيل وزير الصناعة الأسبق مجلس إدارة بنك نيكست، وتظهر أسماء وزراء سابقين في الأهلي المصري وبنوك أخرى.
ويرى ممدوح الولي، وهو خبير اقتصادي ونقيب سابق للصحفيين، أن المشكلة لا تتوقف عند العدد، لأن مراجعة السير المهنية لعدد من الأعضاء تكشف غياب خبرة مصرفية مباشرة لدى بعضهم، وهو ما يفتح بابًا مشروعًا للسؤال عن معيار الاختيار حين تتقدم الخبرة الحكومية على الخبرة المصرفية المتخصصة.
وتتسع الدائرة كذلك إلى نواب وزراء ومساعدين ورؤساء هيئات ومستشارين، من بينهم ياسر صبحي ووائل زيادة وجمال عوض وخالد عباس ومحمود ممتاز وجيهان صالح، موزعين على مجالس بنوك الإسكندرية والتنمية الصناعية وناصر وميد بنك وبنك مصر وتنمية الصادرات، بما يجعل الظاهرة أوسع من الوزراء وحدهم.
مكافآت بمئات الملايين
وأظهرت القوائم المالية التي استند إليها الرصد أن بنك أبو ظبي الأول تصدر بين 17 بنكًا أفصحت عن مكافآت مجالسها، إذ بلغت مكافآت مجلسه المكون من 9 أعضاء نحو 278 مليون جنيه خلال 2025، بمتوسط حسابي يقترب من 31 مليون جنيه للعضو الواحد.
وجاء البنك التجاري الدولي بعده بمكافآت بلغت 160 مليون جنيه لمجلس يضم 11 عضوًا، ثم البنك الأهلي الكويتي بنحو 152 مليون جنيه، بينما سجل بنك نيكست 103 ملايين جنيه وبنك تنمية الصادرات 95 مليون جنيه، وهي أرقام تضع تكلفة مجالس الإدارات تحت رقابة الرأي العام.
وسجل المصرف العربي الدولي مكافآت تجاوزت 92 مليون جنيه، بينما بلغت في البنك المصري الخليجي 76 مليونًا و500 ألف جنيه، وفي بنك قناة السويس 64 مليونًا، وفي بنك فيصل الإسلامي 60 مليونًا، كما قاربت مكافآت مصرف أبو ظبي الإسلامي 58 مليون جنيه بحسب الإفصاحات التي جمعها الرصد.
ولا تشمل هذه الأرقام بدلات الانتقال وحضور الاجتماعات أو المقابل المالي لرئاسة اللجان المتخصصة وعضويتها، ما يعني أن المبالغ المعلنة لا تقدم الصورة الكاملة لكلفة مجالس الإدارات، كما أن بعض المكافآت تصرف بعملات أجنبية ثم تحول إلى الجنيه عند إجراء المقارنة بين البنوك المختلفة.
ويقول الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن جانبًا كبيرًا من أرباح البنوك المصرية ارتبط بإقراض الحكومة وتمويل عجز الموازنة بدلًا من توجيه الأموال إلى المصانع والمشروعات والتشغيل والتصدير، وهو ما يجعل ضخامة مكافآت مجالس الإدارات أكثر حساسية حين ترتبط الأرباح بأدوات الدين العام وأموال المودعين.
وتكتسب هذه الملاحظة وزنًا إضافيًا مع ارتفاع تكلفة الاقتراض على القطاع الخاص وصعوبة حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، لأن البنوك تستطيع تحقيق عوائد مرتفعة من أدوات الدين الحكومية دون تحمل المخاطر نفسها المرتبطة بالتمويل الإنتاجي، بينما يحصل أعضاء المجالس على مكافآت ضخمة من الأرباح المتحققة سنويًا.
ازدواج المناصب والحوكمة
وينص قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 في المادة 122 على منع عضو مجلس إدارة أي بنك من الجمع بين عضويته وعضوية مجلس إدارة بنك آخر أو شركة منح ائتمان، كما يمنعه من أداء أعمال الإدارة أو الاستشارة في أي منهما بما يحاصر أصلًا ازدواج المواقع المصرفية.
وتظهر في الرصد حالات تجمع أكثر من عضوية، من بينها حسين عيسى في بنك فيصل الإسلامي وبنك الاستثمار القومي، وأسامة صالح في كريدي أجريكول وبنك الاستثمار القومي، ومحمد الإتربي في البنك الأهلي وبنك الاستثمار القومي، وزياد بهاء الدين في بنك الإسكندرية وبنك البركة وفق القوائم المشار إليها.
لكن الحسم القانوني لكل حالة يحتاج إلى فحص الوضع التنظيمي للبنك وصفة العضوية ونطاق خضوع المؤسسة للبنك المركزي، خصوصًا أن بنك الاستثمار القومي والمصرف العربي الدولي لهما أوضاع قانونية خاصة، غير أن هذا الاستثناء التنظيمي لا يلغي السؤال السياسي والأخلاقي بشأن تداخل مواقع القرار وتعدد المصالح والمسؤوليات.
وكان الخبير القانوني والاقتصادي زياد بهاء الدين قد طرح قبل سنوات تصورًا لمنع تعارض المصالح لدى الوزراء والمسؤولين، يقوم على الإفصاح عن المصالح المالية ومنع الجمع بين المنصب العام وعضويات تثير التعارض، كما سبق أن استقال من مجلس إدارة شركة بسبب تعدد العضويات ومتطلبات الحوكمة، بينما يرد اسمه اليوم داخل الرصد ذاته.
وتكشف المقارنة بين تلك المبادئ والمشهد الحالي اتساع ما يعرف بتدوير النخبة الإدارية بين الوزارات والهيئات والبنوك والشركات، إذ تتكرر أسماء بعينها في مواقع متعددة بعد مغادرة المنصب الحكومي أو أثناء شغله، بما يقلص فرص وصول كوادر مصرفية مستقلة ويضعف وضوح معايير الاختيار والمساءلة.
وتزداد المشكلة مع تفاوت الإفصاح بين البنوك، لأن بعض المؤسسات تنشر قيمة مكافآت المجلس بصورة مجمعة من دون تفصيل نصيب كل عضو أو البدلات واللجان، بينما لا تتيح مؤسسات أخرى الدرجة نفسها من المعلومات، وهو ما يجعل تقييم العائد الحقيقي من عضوية المسؤولين ومقارنته بتكلفتهم مهمة شديدة الصعوبة.
وتفرض هذه الوقائع مطالبة واضحة للبنك المركزي والجهات الرقابية بنشر سجل موحد يوضح أعضاء مجالس إدارات البنوك ومناصبهم المتزامنة وخبراتهم ومكافآتهم والبدلات التي يحصلون عليها، مع بيان الأساس القانوني لأي جمع بين عضويتين والإجراءات المتخذة لمنع تضارب المصالح وحماية استقلال القرار المصرفي.
وبذلك لا تكمن الأزمة في وجود مسؤول سابق داخل بنك بحد ذاته، بل في اتساع شبكة تجمع مسؤولين حاليين وسابقين حول مقاعد ذات عوائد مالية كبيرة مع إفصاح غير مكتمل ومعايير اختيار غير واضحة، وهو وضع يجعل حديث الحكومة عن الحوكمة ناقصًا ما لم يبدأ بتطبيقها على دوائرها نفسها.

