كشف الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، أن سعر كيلو الدواجن من أرض المزرعة في مصر بلغ 59 جنيهًا، محذرًا من أن استمرار البيع دون التكلفة الفعلية يهدد بقاء المنتجين داخل دورات التربية.

 

وتكشف هذه الفجوة بين سعر المزرعة والتكلفة مأزقًا أوسع في إدارة سوق غذاء أساسي، إذ يتحمل المربي خسائر مباشرة بينما تبقى الأسرة تحت ضغط الأسعار، من دون قواعد تسعير شفافة تمنع انتقال الأزمة بين الطرفين.

 

 

تكلفة تضغط على المربين

 

وفي هذا السياق، حدد السيد السعر العادل للكيلو عند مستوى يتراوح بين 70 و75 جنيهًا، معتبرًا أن هذا النطاق أقرب إلى تكلفة الإنتاج والتداول، ويمنح المنتج فرصة للاستمرار من دون تحميل المستهلك زيادات مفتوحة.

 

وبحسب رئيس الشعبة، تمثل الأعلاف نحو 70% من تكلفة الإنتاج، ما يجعل أي تحرك في أسعار الذرة والصويا أو تكاليف الاستيراد عاملًا حاسمًا في تحديد سعر الدواجن وقدرة المزارع على مواصلة النشاط.

 

ومن جهة أخرى، فإن بيع الكيلو عند 59 جنيهًا بينما تقترب التكلفة من 70 إلى 75 جنيهًا يعني أن المنتج يعمل بهامش سلبي، وهو وضع قد يبدو مريحًا مؤقتًا للمستهلك لكنه يحمل مخاطر نقص لاحق.

 

وبالتالي، لا يمكن اعتبار انخفاض سعر المزرعة نجاحًا في ضبط السوق إذا تحقق على حساب خسائر متراكمة للمربين، لأن خروج المنتجين الصغار يترك الصناعة أكثر تركيزًا ويجعل الأسعار لاحقًا أكثر تعرضًا للقفزات المفاجئة.

 

كما أن السيد دعا إلى قواعد أوضح لحركة الأسعار، وهو مطلب يكشف نقصًا مزمنًا في آليات التسعير والرقابة على حلقات التداول، حيث تتسع أحيانًا الفجوة بين ما يحصل عليه المنتج وما يدفعه المستهلك.

 

ولزيادة الاستقرار، يصبح تقليل حلقات الوساطة وإعادة تفعيل آليات إعلان الأسعار ومراقبة تكلفة الأعلاف والأدوية البيطرية خطوات ضرورية، لأن ترك التسعير لمعادلات غير واضحة يجعل كل طرف قادرًا على تحميل الطرف الأضعف كلفة الاضطراب.

 

لذلك، فإن الحديث عن سعر عادل لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة لفرض زيادات تلقائية على المستهلك، بل يجب أن يرتبط بكشف التكلفة الحقيقية وهوامش النقل والتوزيع والربح في كل حلقة من حلقات السوق.

 

ومن ثم، يظل موقف عبد العزيز السيد تحذيرًا مزدوجًا من انهيار ربحية المنتج ومن انفلات السعر النهائي، وهي معادلة لا تحلها التصريحات وحدها ما لم تتحول إلى قواعد معلنة قابلة للرقابة والمحاسبة.

 

 

قوة شرائية تتراجع

 

غير أن الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، سبق أن ربط تراجع الأسعار بزيادة الإنتاج وضعف القوة الشرائية، موضحًا أن انخفاض الطلب مع ارتفاع المعروض تسبب في خسائر كبيرة للمربين خلال الصيف.

 

علاوة على ذلك، تكشف قراءة الزيني أن أزمة القطاع ليست نقصًا في الإنتاج بقدر ما هي اختلال بين المعروض وقدرة المواطنين على الشراء، وهو ما يضعف التصور القائل إن زيادة الإنتاج وحدها تكفي لضبط السوق.

 

وبناء على ذلك، فإن تراجع القوة الشرائية يصبح عاملًا لا يقل أهمية عن الأعلاف، لأن المنتج قد يواجه وفرة بلا مشترين، بينما المواطن قد يرى السعر منخفضًا نسبيًا لكنه يظل عاجزًا عن توسيع استهلاكه.

 

وفي المقابل، يحمل هذا الوضع دلالة اجتماعية ثقيلة، فالدواجن والبيض من أهم بدائل البروتين للأسر محدودة ومتوسطة الدخل، وأي اضطراب حاد في إنتاجهما أو تسعيرهما ينعكس مباشرة على جودة الغذاء داخل البيوت.

 

فضلا عن ذلك، فإن ربط تراجع الطلب بمصاريف الدراسة والالتزامات الأسرية يكشف كيف تتنافس الاحتياجات الأساسية على دخل واحد، إذ قد تتحول تكلفة التعليم إلى سبب لتقليص الإنفاق على الغذاء حتى عند انخفاض الأسعار.

 

إلى جانب ذلك، تصبح حماية صغار المربين مسألة تتجاوز أرباح قطاع بعينه، لأن هؤلاء يشكلون جزءًا مهمًا من مرونة المعروض، وخروجهم المتكرر بسبب الخسائر يفتح الباب لدورات نقص وارتفاع يصعب احتواؤها سريعًا.

 

ومع ذلك، لا ينبغي استخدام خسائر المنتجين ذريعة لإعفاء الحكومة من مسؤولية ضبط المدخلات ومراقبة الوسطاء، فالمطلوب حماية طرفي السوق معًا، لا نقل الخسارة من المزرعة إلى جيب المستهلك عبر زيادة السعر النهائي.

 

وعلى الجانب الآخر، فإن توافر مستلزمات الإنتاج لما يقرب من 3 أشهر يمنح السوق فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يضمن الاستقرار وحده ما دامت أسعار الأعلاف والتداول والطلب تخضع لتغيرات سريعة وغير منضبطة.

 

 

المدارس تضغط على البيض

 

في الوقت نفسه، قال محمد الشافعي، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن السابق، إن تراجع أسعار الدواجن والبيض ارتبط بعوامل موسمية وزيادة المعروض، محذرًا من احتمال عودة الأسعار للارتفاع إذا استمرت خسائر المنتجين.

 

وبالتوازي، تتقاطع رؤية الشافعي مع تحذيرات المربين من أن انخفاض الأسعار دون التكلفة قد يكون مقدمة لموجة صعود لاحقة، لأن المنتج الذي يخسر عدة دورات يقلص الإنتاج أو يخرج منه بالكامل لتقليل خسائره.

 

ومن ناحية أخرى، يقترب موسم المدارس مع توقع زيادة الطلب على البيض، وهو ما يخلق ضغطًا جديدًا على سوق حساس، خصوصًا إذا لم تتزامن الزيادة في الاستهلاك مع معروض كاف وتوزيع يمنع القفزات غير المبررة.

 

وعليه، قدر عبد العزيز السيد السعر العادل لكرتونة البيض بين 107 و110 جنيهات، معتبرًا أن وصولها إلى المستهلك عند نحو 120 جنيهًا يمثل سقفًا لا ينبغي تجاوزه، بما يقارب 4 جنيهات للبيضة الواحدة.

 

لهذا، فإن أي تجاوز واسع لمستوى 120 جنيهًا يحتاج تفسيرًا واضحًا يبين أين نشأت الزيادة، وهل جاءت من المزرعة أو النقل أو الجملة أو التجزئة، بدل ترك المستهلك أمام سلسلة أسعار بلا مسؤول محدد.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو إعادة تنظيم سوق البيض والدواجن ضرورة مرتبطة بالأمن الغذائي اليومي، لأن ترك الفجوات السعرية تتسع بين المنتج والمستهلك يسمح للوسطاء بتحقيق مكاسب لا تعكس بالضرورة حجم التكلفة الفعلية.

 

أمام ذلك، يتطلب الاستقرار نشر بيانات دورية عن تكلفة الأعلاف والإنتاج وسعر المزرعة وهوامش التداول، حتى يصبح النقاش حول السعر العادل قائمًا على أرقام يمكن اختبارها بدل تقديرات متضاربة تصدر من أطراف السوق.

 

وأخيرًا، تكشف أزمة الدواجن والبيض أن إدارة الغذاء لا تحتمل سياسة رد الفعل بعد ارتفاع الأسعار أو خروج المربين، بل تحتاج قواعد تسعير ورقابة واستيراد وإنتاج تحمي المنتج من الخسارة وتحمي المواطن من الاستغلال.