أطلقت منظمة عدالة لحقوق الإنسان، حملة حقوقية جديدة لمناهضة ظاهرة الاختفاء القسري في مصر، تحت عنوان «أين هم؟» وشعار «ليسوا غائبين بل مغيبين»، بالتزامن مع اقتراب اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يوافق 30 أغسطس من كل عام.
وتسعى الحملة، بحسب المنظمة، إلى إعادة تسليط الضوء على ملف المختفين قسريًا في مصر، وما تصفه المنظمة بمعاناة مستمرة لآلاف الأسر التي تقول إنها فقدت القدرة على معرفة مصير ذويها، في ظل غياب معلومات واضحة بشأن أماكن وجودهم أو أوضاعهم القانونية.
«أين هم؟».. حملة لإعادة فتح ملف المختفين
وقالت منظمة عدالة لحقوق الإنسان إن الحملة تستهدف لفت الانتباه إلى حالات الاختفاء القسري التي تقول إنها مستمرة منذ أكثر من 13 عامًا، معتبرة أن القضية لا تتعلق فقط بالأشخاص الذين انقطعت أخبارهم، وإنما تمتد آثارها إلى أسرهم وذويهم الذين يعيشون، وفق المنظمة، في حالة مستمرة من القلق وعدم اليقين.
واختارت المنظمة شعار «ليسوا غائبين بل مغيبين» للتأكيد على رؤيتها بأن بعض حالات الاختفاء التي وثقتها منظمات حقوقية لا يمكن التعامل معها باعتبارها حالات غياب عادية أو انقطاعًا اختياريًا عن الأسرة، وإنما ترتبط، بحسب رواية المنظمة، بالاحتجاز في أماكن غير معلنة وحرمان الأشخاص من التواصل مع ذويهم ومحاميهم.
وتزامن إطلاق الحملة مع اقتراب اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، وهو اليوم الذي يمثل مناسبة دولية لتسليط الضوء على الأشخاص الذين تنقطع أخبارهم في ظروف لا تكشف فيها السلطات عن أماكن وجودهم أو مصيرهم، إضافة إلى دعم أسرهم والمطالبة بكشف الحقيقة.
المنظمة: الاختفاء القسري لم يعد حالات فردية
وفي بيانها، اعتبرت منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن الاختفاء القسري في مصر لم يعد، من وجهة نظرها، مجرد وقائع فردية، وإنما وصفته بأنه ممارسة ذات طابع مؤسسي تؤدي إلى حرمان المواطن من ضمانات الحماية القانونية، كما تحرم أسرته من معرفة مصيره.
وقالت المنظمة إن استمرار غياب المعلومات عن أماكن وجود المختفين يضع الأسر أمام حالة ممتدة من عدم اليقين، خاصة عندما لا تتمكن الأسرة من الوصول إلى معلومات رسمية بشأن الاحتجاز أو الإجراءات القانونية المتخذة بحق الشخص المختفي.
وترى المنظمة أن جوهر المشكلة لا يقتصر على واقعة الاختفاء ذاتها، وإنما يشمل ما يترتب عليها من آثار قانونية وإنسانية واجتماعية، خصوصًا عندما يستمر انقطاع الاتصال لفترات طويلة دون إعلان رسمي واضح عن مكان وجود الشخص أو التهم الموجهة إليه، إن وجدت.
اتهامات باستخدام الاختفاء لبث الخوف
وقالت الحملة إن ما وصفته بـ«الاختفاء القسري» لا تقتصر آثاره على الشخص الذي انقطعت أخباره، وإنما تمتد إلى محيطه الأسري والاجتماعي، معتبرة أن غياب المعلومات بشأن مصير أحد أفراد الأسرة يمكن أن يخلق حالة واسعة من الخوف والقلق.
وأضافت المنظمة أن استمرار مثل هذه الحالات، وفق تقديرها، يمكن أن يؤدي إلى خلق شعور عام بعدم الأمان، خاصة بين الأسر التي تخشى فقدان الاتصال بأحد أفرادها أو عدم معرفة مكان احتجازه.
كما اتهمت الحملة السلطات المصرية بمحاولة التعامل مع بعض الحالات من خلال روايات تنفي وجود اختفاء قسري، أو تفسر اختفاء الأشخاص باعتباره هروبًا اختياريًا أو حالات استثنائية.
وفي المقابل، تقول المنظمة إن التوثيق الحقوقي المستمر يمثل، من وجهة نظرها، أساسًا لمراجعة هذه الروايات والتحقق من ظروف كل حالة بشكل مستقل، بدلًا من التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة لا يجمع بينها نمط واحد.
أسر المختفين في مواجهة سنوات من الانتظار
وتضع الحملة معاناة أسر المختفين في صدارة أهدافها، إذ ترى أن الأسرة لا تعاني فقط من غياب أحد أفرادها، وإنما تواجه كذلك نقص المعلومات المتعلقة بمكان وجوده ووضعه القانوني وصحته وظروف احتجازه.
وتشير المنظمة إلى أن استمرار الغموض لفترات طويلة يضاعف من معاناة الأسر، خصوصًا عندما لا تتلقى ردودًا حاسمة بشأن البلاغات أو الاستفسارات المتعلقة بمصير ذويها.
وتطالب الحملة بأن يكون لكل شخص محتجز الحق في معرفة أسرته بمكان وجوده، وأن يتمكن من التواصل مع محاميه وذويه، وأن يخضع احتجازه لرقابة قضائية مستقلة وفق الضمانات القانونية.
مطالب بالكشف عن أماكن المحتجزين
وطرحت منظمة عدالة لحقوق الإنسان مجموعة من المطالب التي قالت إنها تستهدف إنهاء ما تصفه بسياسة الإنكار والتعامل مع الاختفاء القسري باعتباره حالات فردية.
ومن أبرز هذه المطالب الكشف الفوري عن مصير وأماكن وجود جميع الأشخاص الذين تقول المنظمة إنهم محتجزون قسرًا، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وضمان عرضهم على سلطات قضائية مستقلة، أو الإفراج عنهم إذا لم يكن هناك سند قانوني لاستمرار احتجازهم.
كما طالبت المنظمة بالتعامل مع ملف الاختفاء القسري باعتباره قضية حقوقية وقانونية تستوجب التحقيق والفحص، وليس مجرد ملف أمني مغلق، مع ضرورة الكشف عن ملابسات كل حالة وتحديد المسؤوليات حال ثبوت وجود انتهاكات.
دعوة للانضمام إلى الاتفاقية الدولية
ومن بين المطالب الرئيسية التي تضمنها بيان الحملة، دعوة مصر إلى التوقيع والانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، دون تحفظات قالت المنظمة إنها قد تفرغ الالتزامات الواردة فيها من مضمونها القانوني.
وتنظر المنظمات الحقوقية إلى الاتفاقية الدولية باعتبارها إطارًا قانونيًا دوليًا لمواجهة الاختفاء القسري، من خلال وضع مجموعة من الالتزامات المتعلقة بمنع هذه الممارسة، والكشف عن مصير الأشخاص المختفين، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم.
وترى الحملة أن الانضمام إلى الاتفاقية من شأنه أن يعزز الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بمنع الاختفاء القسري وحماية الأشخاص من الاحتجاز السري أو غير المعلن.
مطالب بتنفيذ توصيات دولية
كما طالبت المنظمة بالالتزام بتوصيات آلية الاستعراض الدوري الشامل المتعلقة بملف حقوق الإنسان في مصر، ولا سيما التوصيات المرتبطة بجريمة الاختفاء القسري، والتي أشارت المنظمة إلى صدورها في يناير 2025.
ودعت كذلك إلى وقف ما وصفته بتجاهل أو تهميش التقارير الصادرة عن الآليات الأممية، وضرورة التعامل معها باعتبارها أدوات يمكن الاستناد إليها في مراجعة أوضاع حقوق الإنسان والتحقيق في البلاغات المتعلقة بالانتهاكات.
وتشمل مطالب الحملة أيضًا فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع البلاغات والشهادات التي جرى توثيقها بشأن الاختفاء القسري، مع محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات.
إنهاء الإفلات من العقاب
وتضع المنظمة مسألة المساءلة في قلب مطالبها، مؤكدة أن معالجة ملف الاختفاء القسري لا تقتصر على الكشف عن أماكن الأشخاص المختفين، وإنما تشمل كذلك تحديد المسؤولية عن أي انتهاكات قد تكون وقعت بحقهم.
وترى الحملة أن غياب المحاسبة، في حال ثبوت وقوع انتهاكات، قد يؤدي إلى استمرار المشكلة وتكرارها، ولذلك تطالب بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
كما تؤكد المنظمة أن معرفة الحقيقة تمثل حقًا لأسر المختفين، وأن الكشف عن مصير الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم يجب ألا يرتبط فقط بالضغوط الحقوقية أو الإعلامية، وإنما يكون جزءًا من الالتزام القانوني بحماية حقوق المحتجزين وأسرهم.
«ليسوا غائبين بل مغيبين»
وتحاول حملة «أين هم؟» إعادة ملف الاختفاء القسري إلى دائرة الاهتمام الحقوقي بالتزامن مع اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، من خلال التركيز على قصص الأسر التي تقول إنها تنتظر منذ سنوات معرفة مصير أبنائها وذويها.
وبينما تؤكد المنظمة أن لديها توثيقًا لحالات تقول إنها تعرضت للاختفاء القسري، فإنها تطالب بفتح المجال أمام التحقيق المستقل في كل حالة على حدة، والكشف عن حقيقة ما جرى للأشخاص الذين انقطعت أخبارهم.
وفي نهاية المطاف، تضع الحملة سؤالًا واحدًا في مقدمة رسالتها: «أين هم؟»، مطالبة بالكشف عن أماكن المختفين ومصيرهم، وضمان حقهم في التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وإنهاء الاحتجاز غير المعلن، وفتح تحقيقات مستقلة في جميع البلاغات المتعلقة بالاختفاء القسري.
وتؤكد المنظمة أن شعارها «ليسوا غائبين بل مغيبين» يعكس رؤيتها للقضية، في محاولة لدفع المجتمع والجهات المعنية إلى التعامل مع ملف المختفين باعتباره قضية إنسانية وقانونية تستوجب إجابات واضحة، بدلًا من استمرار حالة الغموض التي تقول إن آلاف الأسر تعيشها منذ سنوات.

