كشفت بيانات أولية لمسؤولين حكوميين أن الحكومة المصرية جمعت في مصر نحو 2.590 تريليون جنيه ضرائب خلال العام المالي 2025-2026، بزيادة 386 مليار جنيه عن العام السابق، لتصبح الحصيلة الضريبية أحد أكبر مصادر تمويل الخزانة العامة .

 

وفي المقابل، تأتي القفزة بينما تواجه الأسر المصرية غلاءً متراكماً وتراجعاً في القوة الشرائية، ما يفتح باباً واسعاً لانتقاد نموذج مالي يوسع التحصيل من المجتمع، في وقت تلتهم فيه فوائد الديون جزءاً ضخماً من موارد الدولة.

 

 

حصيلة تتضخم والعبء يتسع

 

وبحسب البيانات، ارتفعت الحصيلة من 2.204 تريليون جنيه في 2024-2025 إلى 2.590 تريليون جنيه في 2025-2026، بنمو 17.5%، وهي أرقام ما تزال مبدئية لعدم اكتمال الحساب الختامي والتسويات الحكومية النهائية حتى الآن .

 

ومن جهة أخرى، تعزو الحكومة الزيادة إلى التسهيلات الضريبية الجديدة والرقمنة وتسوية المنازعات ودياً وتوسيع قاعدة الممولين ودمج أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، وهي أدوات قد ترفع الكفاءة لكنها لا تحسم وحدها سؤال توزيع العبء .

 

في الوقت نفسه، تستهدف الموازنة الحالية تحصيل 3.529 تريليون جنيه من الضرائب خلال 2026-2027، بما يعني إضافة نحو 939 مليار جنيه فوق الحصيلة الأولية السابقة، وهو توسع شديد السرعة في الاعتماد على الإيرادات الضريبية .

 

وحسابياً، تمثل الزيادة من 2.590 إلى 3.529 تريليون جنيه نحو 36.3%، لا 40% كاملة، رغم تداول وصف الزيادة بأنها تقارب 40%، وهو فارق يستوجب التمييز بين التقريب الإعلامي والحساب المباشر للأرقام المنشورة .

 

على صعيد آخر، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن الدولة تعتمد بصورة رئيسية على الضرائب غير المباشرة مثل الجمارك وضريبة القيمة المضافة، معتبراً أن ذلك يعكس اقتصاداً يميل إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج ويزيد هشاشته .

 

كما انتقد فؤاد عدالة توزيع العبء الضريبي وضعف العائد الخدمي الذي يحصل عليه المواطن، مؤكداً أن المشكلة ليست في وجود الضرائب نفسها، وإنما في كيفية تحصيلها وما يقابلها من خدمات عامة محسوسة للممولين .

 

وبهذا المعنى، تصبح زيادة الحصيلة أقل دلالة إذا لم تقترن بتحسن مماثل في الصحة والتعليم والنقل والحماية الاجتماعية، لأن نجاح الإدارة الضريبية لا يقاس فقط بما يدخل الخزانة، بل أيضاً بما يعود على المجتمع من خدمات.

 

فضلاً عن ذلك، تُفرض ضريبة القيمة المضافة والرسوم على طيف واسع من السلع والخدمات، ولذلك يدفع المستهلك الضريبة عند الشراء بصرف النظر عن دخله، ما يجعل أثرها النسبي أشد على محدودي الدخل مقارنة بالأكثر ثراء.

 

ومن ثم، فإن الأسرة التي تنفق معظم دخلها على الغذاء والمواصلات والطاقة تتحمل نسبة أكبر من مواردها في الضرائب غير المباشرة، بينما تستطيع الأسر الأعلى دخلاً الادخار أو توجيه جزء أكبر من مواردها بعيداً عن الاستهلاك اليومي.

 

في المقابل، تتمسك الحكومة بأن توسيع القاعدة الضريبية لا يعني بالضرورة رفع الأسعار الضريبية الأساسية، بل إدخال ممولين جدد وتسوية المتأخرات وتحسين الالتزام، وهي حجة ترتبط بمدى نجاح الدولة في مكافحة التهرب دون إرهاق الملتزمين .

 

وعند هذه النقطة، يظل السؤال الجوهري هو ما إذا كانت الزيادة الضخمة ستأتي أساساً من نشاط اقتصادي أكبر وربحية أعلى، أم من توسيع التحصيل على معاملات واستهلاك قائمين بالفعل، وهو فارق حاسم في تقييم الأثر الاجتماعي.

 

 

الدين يبتلع الموارد

 

وبالتوازي، يضغط ملف الدين بقوة على الموازنة، إذ تتحول زيادة الإيرادات إلى مورد لا يذهب كله إلى تحسين الخدمات، بل ينافس عليه بند فوائد الدين الذي استحوذ خلال السنوات الأخيرة على مساحة واسعة من الإنفاق الحكومي.

 

ووفقاً للخبير الاقتصادي هاني جنينة، فإن نحو 90% من إيرادات الدولة كانت تتجه في تقديره خلال فبراير 2026 إلى فوائد الديون، معتبراً أن هذا الوضع يضيق المساحة المتاحة للإنفاق على الصحة والتعليم والأجور والحماية الاجتماعية .

 

كذلك رأى جنينة أن خفض أعباء الفوائد يمكن أن يفتح حيزاً مالياً أوسع للإنفاق الاجتماعي، وهو ما يكشف المفارقة الأساسية في زيادة الضرائب حين تتضخم الحصيلة لكن يظل نصيب الخدمات العامة مقيداً بفوائد المديونية .

 

ومع ذلك، فإن ارتفاع الضرائب لا يعالج تلقائياً جذور عجز الموازنة إذا استمرت تكلفة الاقتراض مرتفعة، لأن الخزانة قد تجمع موارد إضافية ثم تعيد توجيه جانب كبير منها إلى خدمة الدين بدلاً من تمويل استثمارات وخدمات منتجة.

 

وفوق ذلك، أظهرت بيانات منشورة عن الموازنة أن الحصيلة الضريبية تمثل أكثر من ثلثي الإيرادات العامة، وهو مستوى يجعل أي تباطؤ اقتصادي أو تراجع في الاستهلاك والإنتاج مؤثراً مباشرة في قدرة الدولة على تحقيق أهداف التحصيل .

 

نتيجة لذلك، يصبح الاعتماد المفرط على الضرائب مؤشراً على ضيق البدائل إذا لم تتوسع موارد الدولة من الإنتاج والتصدير وعوائد الأصول بكفاءة، لأن زيادة الضغط التحصيلي وحدها لا تبني قاعدة مالية مستقرة على المدى الطويل.

 

 

العدالة في اختبار التحصيل

 

ومن زاوية أخرى، حذرت أستاذة الاقتصاد عالية المهدي من أن فوائد الديون أصبحت أكبر بنود الإنفاق في الموازنة، ودعت إلى مراجعة السياسة المالية وتقليل الاقتراض وتوجيه الموارد نحو استثمارات قادرة على خلق قيمة مضافة .

 

وفي السياق نفسه، أكدت المهدي أن زيادة موارد الدولة لا ينبغي أن تعني فرض أعباء ضريبية جديدة، بل يجب أن تبدأ بتحفيز الاستثمار المحلي ثم جذب الاستثمار الأجنبي، بما يوسع النشاط المنتج قبل توسيع يد التحصيل .

 

وبناءً على ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لسياسة التوسع الضريبي سيكون في بنية الحصيلة نفسها، ومدى زيادة مساهمة الأرباح والدخول الأعلى والأنشطة غير الرسمية، بدلاً من تحميل الاستهلاك اليومي مزيداً من الضرائب والرسوم المتناثرة.

 

إلى جانب ذلك، تحتاج الحكومة إلى نشر توزيع تفصيلي للحصيلة الجديدة يوضح نصيب ضرائب الدخل والشركات والقيمة المضافة والجمارك والممتلكات، حتى يمكن الحكم بدقة على من تحمل الزيادة البالغة 386 مليار جنيه خلال عام.

 

وعلاوة على ما سبق، فإن وصف الرقمنة بأنها سبب للزيادة يظل إيجابياً من زاوية مكافحة التهرب وتبسيط الإجراءات، لكنه لا يلغي ضرورة الرقابة على العدالة الضريبية ومنع تحول التكنولوجيا إلى وسيلة أسرع لتحصيل أعباء غير متوازنة.

 

لهذا، لا يكفي إعلان رقم قياسي للحصيلة بوصفه نجاحاً مالياً منفصلاً عن حياة المواطنين، لأن قيمة الضرائب تُقاس أيضاً بعدالة توزيعها وكفاءة إنفاقها وقدرتها على تمويل خدمات تخفف الضغوط بدلاً من إعادة إنتاجها.

 

وأخيراً، تكشف القفزة من 2.590 إلى 3.529 تريليون جنيه أن الحكومة ماضية في جعل الضرائب عماداً أكثر ثقلاً للموازنة، بينما يظل التحدي الأصعب هو ألا تتحول زيادة الموارد إلى جباية أوسع بلا تحسن ملموس في المعيشة والخدمات.