كشفت منصة متصدقش نقلا عن مصدرين حكوميين أن مشروعات خاضعة لإدارة القوات المسلحة مستثناة من توجيهات حظر المنشآت داخل نطاق 200 متر من الشاطئ في الإسكندرية ومدن ساحلية أخرى، بما أبقى منشآت عسكرية خارج حملات الإزالة الجارية.
وتفتح هذه الشهادات بابا واسعا أمام سؤال العدالة، بعدما بدأت أجهزة محلية إزالة منشآت مدنية بدعوى حماية حق المواطنين في رؤية البحر، بينما تقول المصادر إن كيانات تابعة للقوات المسلحة تتمتع بمعاملة مختلفة رغم وحدة الشاطئ والقواعد المعلنة.
وبحسب التوجيه الصادر في 10 أغسطس 2026، شدد عبد الفتاح السيسي على مراجعة استغلال الأراضي السياحية الساحلية وضمان نفاذ المواطنين إلى الشواطئ، مع حظر إقامة منشآت داخل نطاق 200 متر دون موافقات مسبقة من الجهات المختصة.
وفي أعقاب ذلك، أعلنت محافظة الإسكندرية بدء إزالة منشآت سياحية انتهت تعاقداتها وتحجب رؤية البحر، وقال المحافظ أيمن عطية إن رؤية البحر والوصول إليه حق أصيل للمواطنين، مع الالتزام بالعقود السارية حتى انتهاء مددها القانونية.
غير أن رواية المصادر الحكومية التي نقلتها متصدقش تقول إن الحملات لا تمتد إلى فنادق ومجمعات ترفيهية تتبع القوات المسلحة على كورنيش الإسكندرية، وهو ما يضع معيار الإزالة نفسه تحت اختبار المساواة والشفافية في التنفيذ.
قانون واحد وتطبيقان
في المقابل، تنص المادة 87 من قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 على حظر إقامة منشآت أو أعمال لمسافة 200 متر من خط الشاطئ إلى الداخل إلا بعد موافقة الوزارة المختصة.
كذلك تنص المادة 73 من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 على حظر إقامة منشآت داخل المسافة نفسها إلا بعد موافقة الجهة الإدارية المختصة وجهاز شؤون البيئة، ما يجعل الترخيص المسبق جوهر المشروعية داخل منطقة الحظر.
وبالتالي، لا يعني وجود منشأة داخل نطاق 200 متر أنها مخالفة تلقائيا، لأن القانون يسمح بالموافقة عليها وفق شروط، لكن الإشكال يبدأ عندما تختلف فرص الحصول على الاستثناء أو تتفاوت الرقابة والإزالة بحسب الجهة المالكة.
ومن هذه الزاوية، قالت أستاذة علوم البيئة بجامعة الإسكندرية وفاء المنيسي في تصريحات سابقة إن البناء الساحلي المخالف لقواعد الحماية يضر البيئة البحرية والثروة السمكية، وشددت على أهمية الالتزام بالمسافات والضوابط القانونية المنظمة للشواطئ.
وفضلا عن ذلك، قالت المصادر إن إعادة تخصيص أراض ساحلية بقرارات رئاسية لصالح جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة منحت المشروعات التابعة له وضعا مختلفا، وهو ادعاء يحتاج إلى نشر الأساس القانوني لكل حالة بدلا من الاكتفاء بتفسيرات غير معلنة.
وعلى الجانب الرسمي، تؤكد وزارة الري أن اللجنة العليا لتراخيص الشواطئ هي الجهة المختصة بالنظر في طلبات الأعمال داخل منطقة الحظر، وأن الموافقات لا تصدر إلا بعد استيفاء الاشتراطات الفنية والبيئية والتنظيمية المطلوبة.
وفي 16 يونيو 2026، وافقت اللجنة على إنشاء ميناء يخوت دولي عند الكيلو 92 بالساحل الشمالي، وكانت جهة الولاية جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، بعدما قالت الوزارة إن المشروع استوفى المعايير الفنية والتنظيمية المعمول بها.
الشاطئ بين الحق والاستثمار
ومن ناحية أخرى، يرى أستاذ التمويل والاستثمار هشام إبراهيم أن الأصل في الشواطئ أنها عامة ومتاحة للمواطنين، وأن تخصيص أرض لمطور لا يعني امتلاك الشاطئ المقابل، مؤكدا ضرورة خضوع التطوير العقاري لضوابط تحمي حقوق المواطنين.
كما شدد إبراهيم على أن الدولة تظل منظما ورقيبا حتى بعد تخصيص الأراضي للمطورين، وهو مبدأ يطرح سؤالا مباشرا حول ما إذا كانت الرقابة ذاتها تطبق على جميع الجهات الاقتصادية دون تمييز مؤسسي أو استثناء عملي.
وإزاء ذلك، تصبح القضية أكبر من إزالة مطعم أو كافيتريا على كورنيش الإسكندرية، لأنها تتعلق بمن يملك حق الانتفاع بالساحل، ومن يخضع للترخيص، ومن يستطيع الحصول على استثناء، ومن يتحمل وحده كلفة المخالفة.
ومن ثم، فإن حماية حق المواطنين في رؤية البحر تفقد جزءا من معناها إذا جرى تطبيقها على منشآت بعينها وترك أخرى تحجب المشهد نفسه، لأن الحق العام لا يتغير باختلاف الجهة التي تدير المشروع.
إضافة إلى ذلك، يظل غياب قائمة حكومية منشورة بالمشروعات الواقعة داخل نطاق الحظر وتراخيصها وموافقاتها البيئية ثغرة رئيسية، إذ يصعب على المواطنين التمييز بين منشأة قانونية حصلت على استثناء مشروع وأخرى تتمتع بحماية إدارية غير معلنة.
وفي السياق ذاته، قال رئيس هيئة حماية الشواطئ محمد غطاس إن التعامل مع السواحل يقوم على إزالة التعديات وإتاحة الاستثمار مع الحفاظ على حق المواطنين، وهو معيار يفترض أن يكون قابلا للقياس والتطبيق على جميع الجهات.
امتيازات خارج الرقابة
أما الباحث يزيد صايغ، المتخصص في الشؤون العسكرية والاقتصاد العسكري، فقد وثق على مدى سنوات توسع الأنشطة التجارية التابعة للقوات المسلحة، معتبرا أن قطاعات منها تعمل بدرجات مختلفة من الرقابة والمساءلة مقارنة بالمؤسسات الاقتصادية المدنية.
وبناء على طرح صايغ، فإن جوهر المشكلة لا يقتصر على ملكية مشروع ساحلي بعينه، بل يمتد إلى تفاوت القواعد التي تنظم المنافسة والوصول إلى الأراضي والموارد العامة عندما تصبح المؤسسة العسكرية طرفا اقتصاديا مباشرا.
وعلاوة على ذلك، تشير شهادات المصادر التي نقلتها متصدقش إلى أن بعض مشروعات القوات المسلحة تتمتع بحصانة من قرارات الإزالة، لكنها لا تعفى من استيفاء الموافقات القانونية عند إنشاء مشروعات جديدة داخل حرم البحر.
ومع ذلك، فإن وصف هذه الحصانة بأنها قانونية لا يكفي وحده لحسم الجدل، ما لم تعلن الجهات المختصة النصوص والقرارات والتراخيص التي تمنح كل مشروع وضعه، خصوصا عندما تطال الإزالات منشآت مدنية مجاورة في المكان نفسه.
في الوقت نفسه، يكفل الدستور حماية البحار والشواطئ والموارد الطبيعية وحق المواطنين في التمتع بها، وهو ما يجعل إدارة الساحل شأنا عاما لا يجوز اختزاله في عقود استثمار أو ترتيبات بين أجهزة الدولة والجهات المالكة.
لذلك، فإن المعيار العادل لا ينبغي أن يكون اسم الجهة التي تملك المشروع، وإنما مدى التزامها بالدراسات البيئية وحدود البناء والتراخيص وحق المرور والرؤية، مع نشر القرارات بصورة تسمح بالمراجعة والمساءلة العامة.
وأخيرا، تكشف أزمة 200 متر أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود استثناءات يجيزها القانون عند الضرورة، بل في غياب الشفافية حول من يحصل عليها ولماذا، بينما يدفع المواطن ثمن قرارات إزالة تقدم باعتبارها حماية لحقه.

