محمد أبو رمان

أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع

 

تتجاوز دلالات الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في سورية حدود القاعدة نفسها، ولا يبدو دقيقًا النظر إليها باعتبارها مسرح المواجهة الجديدة بين إسرائيل وتركيا. صحيحٌ أنّ الضربة حملت رسالة واضحة إلى أنقرة، وأكد نتنياهو لاحقًا رفض أي وجود عسكري تركي يهدد حرية الحركة الإسرائيلية في سورية، لكنّ القراءة الإسرائيلية تذهب أبعد من هذا؛ إذ بدأت تنظر إلى الدور التركي الجديد في المنطقة بوصفه تحدّيًا استراتيجيًا يتشكّل على مساحة جغرافية أوسع بكثير من سورية.

 

يكشف عن هذا مقالان مهمّان نشرتهما صحيفة إسرائيل هيوم أخيرًا. كتب الأول الخبير في الشؤون الاستراتيجية والسياسة الدولية، والمسؤول السابق في الصناعات الجوية الإسرائيلية، شاي غال، وكتب الثاني مراسل الصحيفة للشؤون العربية، شاحار كلايمان، وبينما ينطلق الكاتبان من أبو الظهور، لكنهما يقدّمان قراءتين مختلفتين ومتكاملتين لمعضلة تركيا الجديدة في الحسابات الإسرائيلية.

 

يطرح غال مفهوم "المنع قبل التموضع" (Denial before Emplacement) بوصفه القاعدة التي ينبغي أن تحكم التعامل الإسرائيلي مع تركيا في سورية، أي ضرب البنية العسكرية قبل وصول القوات التركية إليها وتحولها إلى أمر واقع. فحين تنتشر الرادارات والدفاعات الجوية والطائرات ومراكز القيادة التركية، ستصبح كلفة أي ضربة إسرائيلية أكبر، وقد تقود إلى مواجهة مباشرة مع دولة عضو في حلف الناتو. ويضع المقال سورية ضمن خريطة أكبر، إذ يربط بين الوجود التركي فيها وشمال قبرص وليبيا وشرق المتوسط والصومال، ويرى في هذه النقاط مجتمعة ملامح عمق استراتيجي تركي يتشكل حول المجال الحيوي الإسرائيلي. ولا يعني هذا بالضرورة أنّ أنقرة بنت وجودها في هذه المناطق بهدف تطويق إسرائيل؛ فلكل ساحة مصالحها وحساباتها التركية الخاصة، لكنّ العقيدة الأمنية تقرأ القدرات بقدر ما تقرأ النيات، وربما أكثر.

 

أما كلايمان، فيقدم الوجه الآخر للمشكلة، فهو يتساءل عمليًا: هل تستطيع إسرائيل قصف تركيا وإخراجها من سورية؟ ويجيب بأنّ المسألة أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فقد بنت أنقرة في أكثر من عقد شبكة واسعة من المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية داخل سورية. نعم، تستطيع إسرائيل أن تدمر قاعدة أو مدرجًا أو رادارًا، لكنها لا تستطيع أن تقصف الجغرافيا أو المصالح التركية في الملف الكردي واللاجئين والتجارة وإعادة الإعمار والعلاقة الوثيقة بالسلطة السورية الجديدة. من هنا يمكن فهم حرص أنقرة، بعد ضربة أبو الظهور، على القول إنها لن تنجرّ إلى "الفخ الإسرائيلي". فقد التقط الأتراك الرسالة، لكنهم لا يريدون خوض المواجهة وفق قواعد ترسمها إسرائيل، ولا يبدو أنهم مستعدّون للتخلي عن المكاسب الاستراتيجية التي راكموها في سورية.

 

تتسع الصورة أكثر إذا وضعنا هذا التحول إلى جانب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، فمن المبكّر افتراض تحولها سريعًا إلى منظومة عسكرية متكاملة، لكنّ أهميتها في الاتجاه الذي تشير إليه: ظهور معادلة إقليمية جديدة تجمع ثلاث دول تمتلك عناصر قوة متكاملة؛ تركيا بجيشها وصناعاتها الدفاعية وموقعها في "الناتو"، وباكستان بقدراتها العسكرية والنووية، والسعودية بثقلها العربي والاقتصادي والسياسي.

 

تتبدى عند هذه الخلاصات المفارقة الاستراتيجية؛ فقد كرّست إسرائيل، منذ ما يقارب من عقد، إيران و"محور الممانعة" مصدر التهديد الإقليمي الرئيس في عقديتها العسكرية، وبنت جزءًا مهمًا من استراتيجيتها وتحالفاتها الإقليمية على مواجهة هذا المحور، وحاولت خلال الحرب أخيرًا إضعافه وتفكيك منظومة الردع التي بنتها طهران، لكنها لم تنجح في التخلص منه نهائيًّا. وفي الوقت نفسه، صعدت قوة إقليمية أخرى، مختلفة جذريًا عن إيران، إذ لا تعاني تركيا من العزلة الإيرانية، ولا تخضع لنظام العقوبات نفسه، ولا تعتمد أساسًا على المليشيات والوكلاء، بل ترتبط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتنتمي إلى "الناتو"، وتمتلك جيشًا كبيرًا وصناعات عسكرية متقدّمة، وتحظى بعلاقات واسعة في العالم العربي والإسلامي. وأضيف إلى ذلك تقاربها الاستراتيجي مع السعودية وباكستان.

 

قد لا تثير اتفاقية مكة القلق الإسرائيلي لأنها موجهة بالضرورة ضد إسرائيل؛ فليس هنالك ما يثبت هذا، بل لأنها قد تمثل نواة لمعادلة ردع إقليمية أكثر استقلالًا عن التصوّر الإسرائيلي لمستقبل المنطقة، وعن النموذج الذي حاولت "الاتفاقات الإبراهيمية" تكريسه، وتكون إسرائيل فيه مركزًا رئيسًا للنظام الأمني الجديد.

 

في الخلاصة، يبدو أنّ السؤال الذي بدأ يقلق الإسرائيليين أنْ ليس "أين ستقيم تركيا قاعدتها العسكرية القادمة؟"، بل "أي شرق أوسط يتشكّل إذا لم تعد إسرائيل القوة الوحيدة القادرة على رسم قواعد الردع وحرية الحركة فيه؟".