اشتكى أهالي المراشدة بمركز الوقف في قنا من مواسير مكسورة داخل ترعة كوم أمبو، مؤكدين أن الخلل يعوق وصول المياه بصورة طبيعية إلى الأراضي الزراعية، ويهدد ري الحيازات المرتبطة بمنظومة تستهدف تحسين خدمة نحو 65 ألف فدان.
ولا تتعلق الاستغاثة بعطل فني عابر؛ فخلف المواسير المكسورة مزارعون ينتظرون المياه لإنقاذ محاصيلهم، وأسر تعتمد على الأرض في دخلها، بينما يتكرر الخلل من دون إعلان واضح عن موعد فحصه وإصلاحه.
مواسير مكسورة تهدد ري الحقول
قال الأهالي إن المياه موجودة داخل الترعة، لكن وجود مواسير مكسورة يمنع وصولها بالكفاءة المطلوبة إلى الأراضي، ويخلق خللًا بين ما يجري ضخه وما يصل فعليًا إلى الحيازات.
وأوضحوا أن الأزمة تمس ترعة كوم أمبو بالمراشدة، وأنهم وثقوا المشكلة بالصور ومقاطع الفيديو، بعدما شعروا بأن الشكوى الشفوية وحدها لم تعد كافية لدفع الجهات المسؤولة إلى التحرك.
المشكلة هنا ليست انقطاع المياه بالكامل، بل احتمال تسربها أو اضطراب مسارها قبل أن تصل إلى نهايات الترع والأراضي البعيدة، وهي المناطق التي يدفع أصحابها الثمن غالبًا عند أي خلل في الشبكة.
والمزارع لا يستطيع الانتظار طويلًا حتى تنتهي دورة المخاطبات الإدارية؛ فالتأخر في الري خلال موسم الزراعة قد يضعف المحصول، ويرفع كلفة إنقاذه، ويهدد دخل أسر كاملة.
كما أن استمرار المشكلة، بحسب رواية الأهالي، يكشف غياب الصيانة الوقائية التي كان يفترض أن ترصد تهالك المواسير أو كسورها قبل أن تتحول إلى استغاثة عامة.
وترتبط أهمية الموقع بمحطة المراشدة الجديدة التي أُنشئت لتحسين الري في زمام واسع يصل إلى 65 ألف فدان، ما يجعل أي عطل في خطوط نقل المياه خطرًا على كفاءة مشروع خُصصت له استثمارات عامة.
ولا يمكن تقييم نجاح منظومة الري من خلال وجود المياه في المحطة أو الترعة الرئيسية فقط، بل من خلال وصولها في الوقت المناسب وبالكمية الكافية إلى الأرض التي ينتظرها الفلاح.
ويؤكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن تحسين كفاءة شبكات الري وتقليل الفاقد ضرورة في بلد يعاني ضغوطًا مائية متزايدة، ما يجعل إصلاح الكسور والتسربات أولوية لا عملًا هامشيًا.
وحتى الآن، لم يُعلن تقرير فني يحدد حجم الكسر، أو مدى تأثيره على التصرفات المائية، أو عدد الأراضي المتضررة، أو التكلفة المتوقعة للإصلاح، وهي معلومات من حق الأهالي معرفتها.
استغاثات تتكرر دون إصلاح معلن
تأتي شكوى المواسير المكسورة بعد استغاثات سابقة من المراشدة بشأن تراكم المخلفات داخل ترع ومجاري مائية، ما يثير تساؤلات حول كفاءة المتابعة الدورية لشبكة الري في المنطقة.
فالاستجابة بعد انتشار الصور أو الفيديوهات لا تكفي وحدها، لأن الصيانة الجادة تبدأ قبل الأزمة، عبر فحص الخطوط والحواجز والمواسير ومعالجة نقاط الضعف قبل موسم الزراعة.
وتتحول الأعطال الصغيرة إلى أزمات كبيرة حين تتأخر المعاينة؛ فالكسر قد يتسع، والمياه قد تُهدر، والأرض قد تتعرض للعطش، بينما يجد المزارع نفسه مضطرًا للبحث عن بدائل مكلفة وغير مضمونة.
كما أن تكرار البلاغات يفرض مراجعة واضحة لأسبابها: هل المشكلة في تهالك المواسير؟ أم في ضغط التشغيل؟ أم في عدم كفاية أعمال الصيانة؟ أم في غياب المتابعة الميدانية المنتظمة؟
ولا ينبغي تحميل الأهالي وحدهم مسؤولية اكتشاف العيوب وتوثيقها؛ فمرافق الري العامة تملك مهندسين ومشرفين وخططًا تشغيلية، ويجب أن تسبق الرقابةُ الشكوى لا أن تنتظرها.
وقال الدكتور أشرف درويش، رئيس قطاع الري بوزارة الموارد المائية والري، إن شبكة الترع والمصارف التي تديرها الوزارة تمتد لعشرات آلاف الكيلومترات، وإن الدولة خصصت 1.4 مليار جنيه لتطهير الترع، وهو ما يجعل المتابعة المحلية معيارًا حقيقيًا لفاعلية هذا الإنفاق.
فإذا كانت الأموال تُرصد لتطوير شبكة الري، فلا يجوز أن يظل مزارعو قرية واحدة رهائن لمواسير مكسورة أو ترعة تحتاج إلى إصلاح، ثم يُطلب منهم الانتظار حتى تتفاقم الخسائر.
وبعد تصاعد الاستغاثات، أكد وكيل وزارة الموارد المائية والري بقنا استمرار تشغيل المحطة لري الزمام، لكن هذا الرد لا يجيب عن جوهر شكوى الأهالي المتعلقة بالمواسير المكسورة داخل الترعة.
تشغيل المحطة خطوة لازمة، لكنه لا يصبح حلًا كاملًا إلا بعد إثبات سلامة الخطوط، وإصلاح موضع الخلل، وضمان وصول المياه فعليًا إلى كل الأراضي المتضررة دون تسرب أو تعطيل.
المزارعون يحتاجون حلًا لا وعودًا
المطلوب الآن هو معاينة ميدانية عاجلة وعلنية لموقع الكسر، بحضور مهندسي الري وممثلين عن الأهالي، حتى لا يبقى الخلاف قائمًا بين شكاوى موثقة وردود عامة.
ويجب أن تعلن المديرية نتيجة الفحص بصورة واضحة: مكان الكسر، وسببه، وتأثيره على المياه، والجهة المسؤولة عن الإصلاح، وموعد بدء الأعمال والانتهاء منها.
كما تحتاج الأراضي المتضررة إلى حل مؤقت خلال فترة الإصلاح، يضمن استمرار الري ومنع تلف المحاصيل، بدلًا من ترك الفلاح يدبر المياه بوسائل خاصة تزيد أعباءه المالية.
ومن حق المزارعين الحصول على رقم متابعة رسمي لبلاغاتهم، وآلية لتسجيل الأضرار إن وقعت، وخط اتصال واضح مع هندسة الري، حتى لا تصبح مواقع التواصل آخر وسيلة لسماع صوتهم.
ويتابع وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم برنامجًا لإحلال وتجديد مئات المنشآت المائية وفحص آلاف أخرى، لكن نجاح هذه الخطط يُقاس بقدرتها على الوصول إلى الأعطال الصغيرة في القرى قبل أن تتحول إلى خسائر كبيرة.
كما ينبغي أن تشمل المحاسبة تحديد ما إذا كان الكسر ناتجًا عن تقصير في الصيانة أو تنفيذ معيب أو تعدٍ على الشبكة، لأن إصلاح العطل من دون معرفة سببه يفتح الباب لتكراره.
والأولوية ليست تبرير استمرار التشغيل، بل ضمان أن كل قطرة تُضخ تصل إلى صاحبها، وأن البنية التي خُصصت لخدمة الفلاح لا تتحول إلى نقطة ضعف تهدد محصوله.
حتى تُصلح المواسير وتُعلن نتيجة المعاينة، ستظل استغاثات أهالي المراشدة قائمة: المياه قد تكون في الترعة، لكن المزارع يحتاجها في أرضه.

