اعتمد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة خالد عبدالعزيز، قرار وقف برنامج «حواديت على المكشوف» الذي تقدمه الإعلامية دينا المصري على قناة المحور نهائيًا، بعد أزمة بدأت بمنشور اعترضت فيه على منع سماع الأذان أو خفض صوته في حي الأشجار بمدينة السادس من أكتوبر.
وتحولت واقعة محلية، أساسها شكوى من مستوى صوت الأذان داخل مجمع سكني، إلى أزمة مهنية انتهت بإيقاف برنامج إعلامي، بينما بقيت تفاصيل الشكوى نفسها وقرار خفض الصوت بلا توضيح معلَن من إدارة المجمع أو وزارة الأوقاف.
من شكوى سكنية إلى خصومة
بدأت القصة، بحسب رواية دينا المصري، عندما لاحظت أنها لم تعد تسمع صوت الأذان كما اعتادت، رغم أن منزلها قريب من المسجد في حي الأشجار.
وقالت إن إدارة الكمبوند أزالت ميكروفونات وسماعات من المسجد، وأبقت سماعة واحدة لا يصل صوتها بوضوح، استجابةً إلى شكاوى من بعض السكان بشأن تأثير الصوت على نومهم.
واعترضت الإعلامية على ما وصفته بمنع سماع الأذان، واعتبرت أن وجود مسجد داخل المجتمع السكني يعني أن صوت الأذان جزء طبيعي من حياة السكان، لا مصدر إزعاج يجب التخلص منه.
لكن ما نُشر لا يتضمن حتى الآن بيانًا من إدارة حي الأشجار يوضح عدد الشكاوى، أو طبيعة القرار، أو الجهة التي أمرت بخفض الصوت، أو ما إذا كان المسجد والأوقاف طرفًا في القرار.
ولا يصح تحويل رواية فردية، مهما كانت مؤثرة، إلى حكم نهائي على سكان مجهولين أو على طائفة بعينها؛ فالمطلوب أولًا كشف الوقائع الإدارية الكاملة قبل توجيه الاتهامات.
فالاعتراض على منع الأذان أو إسكات الشعائر الدينية يختلف عن النقاش حول مستوى الصوت وتنظيم استخدام السماعات داخل منطقة سكنية، وخلط القضيتين هو ما فتح بابًا واسعًا للاستقطاب.
وتوسعت الأزمة بعد ردود وتعليقات منسوبة إلى دينا المصري على متابعين، اعتبرها منتقدون مسيئة إلى المسيحيين، لتتحول القضية من منشور عن الأذان إلى اتهامات بإشعال خطاب ديني جارح.
وأكدت شركة «وان ميديا» المنتجة للبرنامج أن الإيقاف لم يكن بسبب محتوى حلقات «حواديت على المكشوف»، بل بسبب سلوك الإعلامية على منصات التواصل، مع تأكيدها احترام الأديان السماوية.
أما دينا المصري فقالت إنها متمسكة برفض منع سماع الأذان، وأقرت بأن أحد ردودها كان خطأ، مؤكدة أنها لم تقصد الإساءة أو التعميم على المسيحيين.
ويذكّر الباحث الاجتماعي الدكتور سامح فوزي بأن الثقة والتضامن والتعاون هي أساس رأس المال الاجتماعي؛ وهي قيم تتضرر عندما يتحول خلاف محدود بين سكان إلى صدام بين الانتماءات الدينية.
بيان رسمي وأسئلة بلا جواب
أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اعتماده إجراءات قناة المحور، واعتبر وقف البرنامج تطبيقًا لمبادرة «التنظيم الذاتي» ومواجهة لما وصفه بمخالفات وإساءات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
واستدعى المجلس في بيانه مصطلح «بيع الهواء»، رغم أن الإجراءات المعلنة سابقًا بهذا العنوان تعلقت ببرامج الإنتاج المشترك والحقوق التعاقدية، لا بالخلافات الشخصية أو المنشورات الدينية.
وهنا يبرز سؤال ضروري: هل كان وقف البرنامج عقوبة على تعليقات اعتُبرت مسيئة؟ أم جزءًا من حملة تنظيم برامج الإنتاج المشترك؟ أم أن المجلس جمع بين الملفين من دون توضيح صلتهما؟.
فالبيان لم ينشر التعليقات محل المخالفة، ولم يحدد الكود الإعلامي الذي تم خرقه، ولم يوضح ما إذا كان جرى الاستماع إلى الإعلامية أو منحها فرصة لتقديم رد قبل اعتماد الإيقاف النهائي.
ولا يعني طلب الشفافية تبرير أي إساءة للمسيحيين أو للمسلمين، بل يعني أن حماية الوحدة الوطنية لا تكون بالشعارات، وإنما بكشف الوقائع وتطبيق معايير معلنة على الجميع.
كما أن العقوبة النهائية تحتاج إلى تسبيب واضح، خصوصًا أن البرنامج نفسه لم يُتهم بارتكاب مخالفة على الهواء، وأن السبب المعلن ارتبط بسلوك مقدمته خارج الشاشة.
ويشير أستاذ الإعلام الدكتور صفوت العالم إلى أن قيمة الرسالة الإعلامية لا تقاس بحجم الكلام، بل بالأثر المعرفي والوجداني والسلوكي الذي تتركه لدى الجمهور؛ وهي مسؤولية لا تنتهي بمجرد إغلاق الاستوديو.
لكن المسؤولية المهنية لا تُختزل في وقف البرنامج؛ إذ يجب أن يعرف الجمهور ما الخطأ تحديدًا، وكيف جرى تقييمه، ولماذا كانت العقوبة النهائية هي الاختيار الوحيد.
الإعلام يحتاج إنصافًا لا استعراضًا
النتيجة المعلنة كانت حاسمة: البرنامج أوقف نهائيًا، وإنهاء التعامل مع الإعلامية أصبح واقعًا، بينما لم يُعلن تحقيق مستقل أو تفصيل مهني كامل يشرح خطوات اتخاذ القرار.
وفي المقابل، ظلت الواقعة الأصلية بلا إجابة: هل خُفض صوت الأذان فعلًا؟ ومن قرر ذلك؟ وهل كان القرار قانونيًا؟ وهل جرى التواصل مع المسجد والسكان قبل تنفيذه؟.
فمن حق السكان أن يعرفوا حقيقة ما جرى في مجمعهم، ومن حق المسلمين أن يطمئنوا إلى عدم منع شعائرهم، ومن حق المسيحيين ألا يُحمّلوا مسؤولية تعليقات أو شكاوى لم تثبت نسبتُها إليهم.
المشكلة أن الجدل الإلكتروني قدّم القضية بوصفها مواجهة: إما الدفاع عن الأذان أو الدفاع عن الإساءة للمسيحيين، بينما الموقف العادل يرفض منع الأذان ويرفض أيضًا أي خطاب يمس كرامة المواطنين بسبب دينهم.
ويؤكد الدكتور حسن عماد مكاوي، في كتاباته عن أخلاقيات العمل الإعلامي، أن حرية التعبير والمسؤولية تجاه الجمهور وجهان لا ينفصلان، وأن المهنية تتطلب الدقة والعدل وتجنب التعميم والتحريض.
والتنظيم الذاتي الحقيقي لا يعني إبعاد شخص عند تصاعد الغضب فقط، بل يحتاج إلى قواعد معلنة للسلوك الرقمي، ولجان مراجعة مستقلة، وحق في الرد، وقرارات مسببّة لا تترك المجال للتأويل.
والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه المجلس والمحور معًا هو: ما التعليق المخالف؟ وما القاعدة التي خالفها؟ وهل مُنحت دينا المصري حق الرد؟ ولماذا لم تُنشر حيثيات الإيقاف كاملة؟.
حتى تظهر هذه الإجابات، سيظل وقف برنامج دينا المصري قرارًا نافذًا، لكنه سيبقى أيضًا مثالًا على سرعة العقوبة مقابل بطء كشف الحقيقة الكاملة عن منع سماع الأذان في حي الأشجار.

