استدعت شركات المحمول في مصر آلاف العملاء لتحديث بيانات خطوطهم خلال 30 يوما، بعد انكشاف خطوط مسجلة بأسماء غير حائزيها، لتتحول ثغرة تسجيل قديمة إلى أزمة تمس الملكية والخصوصية مباشرة.

 

وكشفت الإجراءات الجديدة أن الخلل لم يعد محصورا في حالات فردية، بعدما أحال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الشركات الأربع إلى النيابة، وبدأ فرض عقود حيازة جديدة على الخطوط القديمة فعليا.

 

 

ثغرة قديمة تتجدد

 

وأظهرت الشكاوى أن تسجيل الخط باسم شخص لا يستخدمه قد يترك صاحبه أمام مخاطر قانونية ومالية، بينما يصبح إثبات عدم الحيازة عبئا إضافيا على مواطن لم ينشئ المخالفة من الأصل.

 

وفي المقابل، توقف بيع وتفعيل الخطوط الجديدة للجهات والمؤسسات عبر الأنظمة المعتادة، بالتزامن مع مراجعة الخطوط القديمة، وهو إجراء يكشف اتساع المشكلة داخل حسابات الشركات والجهات لا الأفراد فقط وحدهم.

 

كما ألزم الجهاز شركات المحمول بإخطار الحائزين بضرورة التوجه إلى الفروع وإبرام عقود جديدة، مع التلويح بإلغاء الخط عند عدم استكمال الإجراءات خلال المهلة المحددة، مهما طال استخدامه سابقا بالفعل.

 

ومن ثم، تبدو الأزمة أكبر من حملة تحديث روتينية، لأنها تعيد فتح سؤال أساسي حول كيفية مرور خطوط ببيانات غير صحيحة عبر منافذ بيع يفترض أنها خاضعة للرقابة والتدقيق المستمر.

 

ولذلك، فإن تحميل المستخدم مهمة تصحيح السجل لا يلغي مسؤولية الشركات عن سلامة إجراءات التعاقد، ولا يعفي الجهة المنظمة من تفسير كيف استمرت الفجوة حتى ظهرت عبر شكاوى جماعية واسعة.

 

وبحسب الأرقام المعلنة، تجاوز عدد خطوط المحمول الفعالة 105 ملايين خط، وهو حجم يجعل أي ضعف في التحقق من الهوية مشكلة واسعة الأثر، وليست مجرد مخالفة إدارية محدودة داخل السوق.

 

وعليه، فإن نجاح الحملة لا يقاس بعدد العقود الجديدة فقط، بل بقدرتها على تحديد مصدر كل تسجيل خاطئ، ومحاسبة المنافذ والمسؤولين، ومنع إعادة إنتاج المشكلة تحت إجراءات مختلفة لاحقا أيضا.

 

وحذر الدكتور عمرو بدوي، الرئيس التنفيذي الأسبق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، منذ سنوات من بيع خطوط باستخدام بيانات أشخاص آخرين، وربط ذلك بمخاطر أمنية وقانونية مباشرة على المستخدمين والسوق المصرية.

 

وأكد بدوي حديثا أن شريحة المحمول أصبحت وثيقة ترتبط بالهوية والخدمات، داعيا إلى مراجعات دورية لبيانات المشتركين وعقوبات أشد على المنافذ التي تتلاعب بالتسجيل لتحقيق أهداف بيعية وهمية داخل السوق.

 

 

المواطن يدفع كلفة التصحيح

 

ويكشف هذا التحذير الممتد أن المشكلة لم تظهر فجأة في 2026، بل كانت معروفة داخل سوق الاتصالات منذ زمن، بينما ظلت حلول الرقابة أقل من قدرة المخالفات على الاستمرار والتوسع.

 

وبالتالي، فإن استدعاء العملاء اليوم يطرح سؤالا عن السنوات التي سبقت الحملة، وعن عدد الخطوط التي جرى تداولها أو نقل استخدامها دون تحديث حقيقي لبيانات صاحبها الفعلي في السجلات الرسمية.

 

كما أن وقف التفعيل للجهات والمؤسسات يشير إلى أن حسابات الشركات كانت إحدى نقاط الضعف، خصوصا مع تغير الموظفين والمستخدمين وبقاء الخطوط مقيدة على بيانات قديمة أو غير دقيقة لسنوات.

 

ولزيادة الضبط، يتجه الجهاز إلى التحقق بالوجه داخل الفروع، بحيث تصبح مطابقة هوية طالب الخدمة خطوة أساسية قبل إصدار الخط أو نقل ملكيته أو تحديث بياناته لاحقا بصورة رسمية معتمدة.

 

غير أن التقنية الجديدة لا تمحو آثار التسجيلات السابقة، لأن تنقية القواعد القديمة تحتاج إلى مراجعة مستقلة وسريعة، مع منح المواطنين وسيلة واضحة للاعتراض دون تحمل إجراءات مرهقة إضافية عليهم.

 

وشدد الدكتور حمدي الليثي، رئيس شعبة الاتصالات السابق، على ضرورة أن يتخذ المواطن إجراء رسميا إذا وجد خطا لا يخصه، مع الحصول على ما يثبت إنكار الملكية وتاريخ تقديم الطلب.

 

وأوضح الليثي أن مجرد معرفة وجود الرقم الغريب لا تكفي، لأن توثيق الاعتراض لدى الشركة يحفظ موقف المستخدم ويتيح له التصعيد إلى الجهاز إذا تأخر حذف الخط أو تصحيح بياناته.

 

وتكشف هذه النصيحة حجم العبء الذي ينتقل إلى المواطن، إذ يصبح مطالبا بالمراجعة والإثبات والمتابعة حتى في واقعة نشأت أساسا من خلل يفترض أن تمنعه منظومة التسجيل قبل البيع فعليا.

 

 

التحقق لا يغلق الأزمة

 

لذلك، تحتاج الشركات إلى قنوات اعتراض سريعة لا تقتصر على زيارة الفروع، مع آجال معلنة للحذف والتصحيح، وإشعار واضح يؤكد انتهاء ارتباط الرقم ببيانات المواطن المتضرر بصورة نهائية وسريعة أيضا.

 

وفي الوقت نفسه، طالب الدكتور خالد شريف، خبير الاتصالات ومستشار وزير الاتصالات السابق، المستخدمين بمراجعة الخطوط المسجلة بأسمائهم دوريا وعدم انتظار ظهور مشكلة مرتبطة بأحد الأرقام لاحقا أبدا في المستقبل.

 

وأشار شريف إلى أن رقم المحمول لم يعد أداة للمكالمات فقط، بل أصبح مرتبطا بخدمات مالية ورقمية وحسابات متعددة، ما يضاعف أثر أي تسجيل خاطئ أو استيلاء على الهوية الشخصية.

 

ومن هنا، فإن التعامل مع الأزمة باعتبارها مسألة تنظيمية ضيقة يقلل من خطورتها، لأن الخط الخاطئ قد يصبح بوابة إلى معاملات مالية أو حسابات إلكترونية أو وقائع احتيال لاحقة محتملة.

 

علاوة على ذلك، فإن التحقق بالوجه نفسه يحتاج إلى قواعد صارمة لحماية البيانات، لأن إضافة بيانات حساسة إلى منظومة سبق أن أخفقت في ضبط الملكية تفرض مستوى أعلى من المساءلة.

 

وفي النهاية، تكشف مهلة 30 يوما مفارقة واضحة، فالمواطن مطالب بالتحرك السريع لتصحيح سجل لم يصنعه، بينما يبقى الاختبار الحقيقي في إعلان نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن الخلل كاملا أيضا.