كشف هروب محمد مصطفى الشامي وزياد حجاج خلال أقل من 3 أيام خللا داخل بعثات المصارعة المصرية، بعدما تحولت مشاركات دولية يفترض أن تنتهي بالعودة إلى أزمة تحقيقات وأسئلة عن الإدارة والرعاية.
وأعاد تكرار الواقعتين فتح ملف قديم لم تغلقه الاتحادات المتعاقبة، إذ لم تعد مغادرة لاعب بعثة خارجية حادثا استثنائيا، بل نمطا يتكرر بأسماء مختلفة بينما تتبدل التبريرات وتبقى الأسباب بلا معالجة.
وفي أحدث تحرك، أُحيلت واقعتا الشامي وحجاج إلى النيابة العامة، بينما أوقفت اللجنة الأولمبية رئيس وفد المصارعة إبراهيم عادل العطار وأحالته إلى لجنة القيم، بعد تحريات عن تقصير في المتابعة.
وبالتوازي، كشفت تفاصيل واقعة الشامي أنه غادر خلال الترانزيت في روما أثناء رحلة العودة من دورة ألعاب البحر المتوسط، بينما كان يفترض أن تبقى جوازات سفر البعثة لدى رئيس الوفد.
ورغم اختلاف مكان الواقعتين، فإن القاسم المشترك هو سهولة خروج اللاعب من المتابعة، بما ينقل النقاش من قرار فردي إلى كفاءة الإجراءات المفترض أن تضبط تحركات الوفود الرياضية خارج البلاد.
الرعاية قبل بوابة المطار
وإلى جانب المسؤولية الإدارية، تطرح الأزمة سؤالا أوسع عن البيئة التي تجعل بعض الرياضيين ينظرون إلى الرحلة الخارجية باعتبارها فرصة للخروج النهائي، وهم في بداية مسارات أنفقت الدولة على إعدادها.
ومن جهة أخرى، لا تسمح الوقائع بالجزم بأن الشامي أو حجاج غادرا بسبب عروض احتراف أو ترتيبات للتجنيس، لذلك تبقى دوافعهما قيد التحقيق، وأي تفسير نهائي قبل سماع أقوالهما يظل افتراضا.
وبحسب باسم إبراهيم، مدرب إبراهيم الونش السابق، فإن تجربة الونش تكشف جانبا مختلفا، إذ تحدث عن لاعب موهوب تعرض للتهميش، ثم غادر إلى فرنسا بعد سنوات من الإحباط وضعف المقابل المادي.
ولاحقا، أوضح باسم إبراهيم أن الونش كان يحصل على دخل محدود وغير ثابت، واضطر للعمل في مهن أخرى بعد سفره إلى فرنسا، قبل أن يستعيد مساره الرياضي وينتهي بطلا للعالم باسمها.
وفي سياق مشابه، يرى هذا التفسير أن الهروب لا يبدأ عند بوابة المطار، بل يتشكل قبلها من ضعف الرعاية والاحتواء، حين يشعر اللاعب أن الميدالية لا تضمن دخلا ولا مستقبلا مهنيا.
وعند مقارنة ذلك بوقائع سابقة، يظهر أحمد بغدودة الذي غادر بعثة المنتخب في تونس عام 2023 ثم ظهر في فرنسا، بعدما تحدث والده عن ضائقة مالية وضغوط، ورفض الاتحاد مسؤولية القرار.
وبمرور السنوات، تكرر السيناريو مع أسماء أخرى، بينها طارق عبدالسلام الذي مثل بلغاريا وتوج بطلا لأوروبا، وإبراهيم الونش الذي مثل فرنسا وفاز ببطولة العالم، ما جعل المصارعة مرتبطة بهذا الملف.
المال وشبكات الاستقطاب
ومن ناحية مختلفة، قدم عصام نوار، رئيس اتحاد المصارعة السابق، تفسيرا لا يعفي الأزمة من بعدها المالي، إذ قال إن ظروف اللاعبين المادية قد تكون أقوى من قدرتهم على الاستمرار بسبب الموارد المحدودة.
ووفقا لنوار، فإن لاعب المصارعة يواجه عمرا تنافسيا قصيرا ومصدر دخل غير مضمون بعد الاعتزال، لذلك يبحث بعض اللاعبين عن فرص خارجية توفر مردودا أكبر، لكنه رفض اتهام الاتحاد بالتقصير.
كذلك سبق لنوار أن تحدث عن احتمال وجود سماسرة أو شبكات تستهدف لاعبين مصريين في الخارج، وهي رواية كررها بعد واقعة بغدودة، من دون إعلان أدلة حاسمة تثبت وجود شبكة منظمة.
وفي قراءة أكثر توازنا، لا يلغي احتمال وجود وسطاء مسؤولية الاتحاد عن بناء نظام حماية ومتابعة أفضل، كما لا تحول الصعوبات المادية إلى مبرر تلقائي للمغادرة، لأن لكل لاعب التزامات رياضية.
وعلى مستوى الإدارة، تبدو واقعة جوازات السفر مركزية في الأزمة الحالية، لأن اللجنة الأولمبية ربطت إيقاف رئيس الوفد بالتقاعس عن الاحتفاظ بها، ما يعيد السؤال حول تطبيق تعليمات معروفة داخل البعثات.
المحاسبة أبعد من العقوبات
وفي شهادة أخرى، اعتبر الصحفي الرياضي وليد العدوي أن واقعة أحمد بغدودة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، وربط اتساع الظاهرة بالأوضاع الاقتصادية وتراجع الاهتمام المؤسسي بأبطال الألعاب الفردية أيضا.
أما أهمية هذا الرأي فتأتي من نقله النقاش خارج حدود العقوبات، لأن منع اللاعب من المغادرة لا يعالج وحده أسباب الرغبة في الرحيل، إذا ظل الفارق كبيرا بين الإنجاز والعائد اليومي.
وبصورة أوسع، تكشف المقارنة بين روايات المدربين والمسؤولين أن الأزمة ليست سببا واحدا، بل خليط من ضعف دخل وقصور إداري وتفاوت فرص وربما وسطاء خارجيين، إلى جانب قرارات شخصية يتحملها اللاعب.
ومع ذلك، فإن التركيز الرسمي على تعهدات أولياء الأمور أو تشديد حيازة الجوازات يعالج لحظة الهروب أكثر مما يعالج مقدماتها، وهي فجوة تفسر لماذا تعود المشكلة رغم تغير المسؤولين واللوائح.
وفي المقابل، يحتاج أي إصلاح جدي إلى مسار واضح للاعب منذ اكتشافه وحتى الاعتزال، يشمل راتبا قابلا للحياة وتأمينا طبيا ومعسكرات كافية ودعما تعليميا ومهنيا وعقودا تحدد الحقوق والعقوبات بوضوح.
وعلى صعيد المحاسبة، لا يكفي تحميل رئيس بعثة واحد المسؤولية إذا أثبتت التحقيقات وجود تقصير أوسع، لأن تكرار الحوادث عبر سنوات يعني أن المشكلة تتجاوز الأشخاص إلى نظام إدارة لم يتماسك.
وفي ضوء التحقيقات الجارية، تظل مسؤولية الشامي وحجاج الفردية قائمة إذا ثبت تعمدهما ترك البعثتين، لكن ذلك لا ينبغي أن يغلق التحقيق في الظروف التي سهلت الخروج ولا أسباب تكرار المسار.
وأخيرا، تضع الواقعتان الرياضة المصرية أمام اختبار يتجاوز استعادة لاعبين أو توقيع عقوبات، فالمطلوب معرفة لماذا يتحول بعض الأبطال من مشروع ميدالية إلى مشروع مغادرة، وهل أصبحت جحيما ليهرب منها أبطال الرياضة؟.

